فسحة للرأي

الأسير حسن سلامة: رسالة العتب وذكريات الابتسامة التي أفزعت السجَّان

د. احمد يوسف |
الأسير حسن سلامة: رسالة العتب وذكريات الابتسامة التي أفزعت السجَّان

 الأسير حسن سلامة هو رجل من طراز فريد من مجاهدي كتائب القسَّام، وهو الذي قاد عمليات الثأر في منتصف التسعينيات لصديقه المهندس "يحيى عيَّاش" بجسارة وبراعة واقتدار، مما أفقد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية صوابها، وكان انتقامها - بعد اعتقاله - هو الحكم عليه بعشرات المؤبدات!! حتى لا يحلم يوماً برؤية الخلاص، ومعانقة الحياة خارج أسوار السجن الرهيب.


لم التقه يوماً في حياتي، ولكنَّ ابتسامته الشهيرة استخفافاً بحكم المحكمة وقضاتها في عام 1996عاشت معي طوال كل تلك السنين، حيث شاهدت تلك الصورة أول مرة في مجلة "فلسطين المسلمة"، التي كانت تصدر في بريطانيا، فأسرتني دلالاتها، وحرصت على نشرها مرة ثانية في مجلة "فلسطين الغد" التي كنت رئيساً لتحريرها - آنذاك - في أمريكا.

كتب - د. احمد يوسف


نعم؛ لقد تيسر لي زيارة بيته في خانيونس، ورؤية والدته بطلتها التي تحمل ملامح الصالحين من عباده، وذلك برفقة الأخ إسماعيل هنية (أبو العبد) عندما كان رئيساً للوزراء، وقد شعرت بمدى اعتزازها وشعورها بالفخر بولدها، الذي أصبح عنواناً فلسطينياً مميزاً للجهاد والمقاومة.

لقد أعجبت كثيراً بهذا الشاب الجسور بعد أن قرأت صفحات من سيرته النضالية، وقدراته على تحمل سنوات السجن الطويلة في العزل الانفرادي، والتي تجاوزت الثلاثة عشر عاماً، حيث كانت رسائله إلى أهله وأبناء شعبه تعكس بكلماتها المؤثرة والحزينة حالة من الشموخ والتحدي، لا تقل بحال عن تلك الابتسامة الساخرة، التي أطلقها قبل عقدين من الزمن لإغاظة أركان دولة الكيان الغاصب، ولكي تعيش فينا كنفخة من روح الله، تبعث الأمل في كل من أعياه تعب اللجوء والغربة عن الوطن، وأرهقه حصار الاحتلال وغلواء المحن.

رسالة السجن: عتب ووجهة نظر

وأنا أقرأ رسالة الأخ حسن سلامة التي أرسلها من سجنه إلى إخوانه في قيادة حركة حماس قبيل العيد بأيام، لاحظت أن فيها بعض العتب من ناحية، ومجموعة من التساؤلات التي تستدعي إجابات لها فيما يتعلق بكيفية تناول ملف الأسرى من ناحية أخرى.

في رسالة العيد تلك، طرح الأخ الأسير حسن سلامة رؤيته لتحريك هذه القضية من خلال الضغط الشعبي، والذي يمكن ان توفره "معلومة بسيطة" عما في أيدي حركة حماس من أسرى الاحتلال، والذين توحي معلومات وتصريحات القادة في الكتائب أن بين أيديهم من الأسرى ما يمكنهم بعقد صفقة مريحة مع الاحتلال، لإطلاق سراح المئات من معتقلي الحركة، كما حدث سابقاً مع صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011.

كان واضحاً من كلمات الأخ حسن سلامه في رسالته أن هناك بعض العتب على إخوانه؛ لأن الملف لم يتحرك بالسرعة المطلوبة، حيث أشار بلغة عاتبة فيها شيء من الملام، قائلاً: "جاء العيد الذي لا أعرف كم هو رقمه، ولكنه يحمل رقماً على الأكيد، كما هي أرقامنا نحن الأسرى؛ فيها نعّرف رقم الأسير، ورقم آخر يحمل عدد سنوات الأسر لكل منا، وأنا الآن تجاوز رقمي الواحد والعشرون، وهذا العيد.... ضعوا الرقم الذي تريدونه؛ لأنه سيأتي آخر.. وفي كل عيد، نعيش أحلام أنه العيد الأخير لنا في الأسر، ولماذا لا، وقد أكرمنا الله بمقاومة مرَّغت أنف العدو، واحتجزت جنوده، وصرخت بأعلى صوتها إن ما لدينا سيفاجئكم وسيذهل عدوكم.. وبدأنا نضرب أخماساً في أسداس، وكل منا - كأسرى - خمَّن عدد المأسورين، فمنَّا من بالغ، وحتى أصحاب المنطق العقلاني أصبحوا على يقين أن ما تملكه كتائب القسام لا يقل عن اثنين شاؤول أو هدار، والباقين الذين ليس لهم ذكر أو قيمة عند العدو كالأثيوبيين والعربيين. إذاً.. ورغم ذلك، وبعد ذلك، وكل هؤلاء في أيدي المقاومة، إذاً لماذا ما زلنا نحن في السجون؟! ولماذا هذه الرسالة ما زالت تكتب من داخل السجن؟!".

ثم يسأل، ويتساءل بأسلوب العاتب والمستفسر، والحريص أن يسمع من إخوانه جواباً يخرجه من دائرة الشك والحيرى لهذا التأخير الحاصل، والمتعمد من جهة حكومة الاحتلال، قائلاً: "قيل لأن العدو يماطل؛ ولأن العدو يتهرب من دفع الثمن، والعدو غير جاهز، وغير جدي، ولا يريد صفقة، وأين الجديد في ذلك؟! ومتى كان العدو على استعداد لدفع الثمن وإخراج "القتلة"، كما يقول ويدّعي من داخل السجون؟! وهذا العدو المعروف بخبثه ومكره، وهم الذين لا يعطون لا نقيراً ولا قطميراً إلا ما دمت عليهم قائماً.. فهل أنت ما زلت قائماً عليهم؟! هل مارست ضغطاً عليهم؟! هل جيَّشت شعبهم عليهم؟! هل بعد ثلاث سنوات من حرب "العصف المأكول" وخطف الجنود خرجت مسيرات تطالب حكومتهم بدفع الثمن؟! وكلنا يعلم جيداً أن لا صفقة تتم بدون ضغط جماهيري، وقد قال ذلك القاصي والداني، والتجارب خير برهان، آخرها صفقة "وفاء الأحرار"، التي استمرت خمس سنوات، وما تمت إلا بعد أن وصل ضغط الجمهور إلى حد أصبحت الحكومة لا تستطيع تحمله، وكان ضغطاً تراكمياً بدأ من الشهر الأول، حتى أجبرهم صاغرين على دفع الثمن، وهم الذين أعلنوا - منذ البداية - الرفض التام لمجرد فتح الملف، فكيف وهذا الملف اليوم أقوى، وظروفه وملابساته أكبر من الملف السابق؟!".

وفي سياق التوجيه لإخوانه بضرورة تغيير استراتيجية التعامل مع هذا الملف، أوضح الأخ حسن سلامة ما كنا نتحدث به في مستويات سياسية وفكرية لها خبرة بالشأن الإسرائيلي، حول أهمية توظيف الشارع والرأي العام في إسرائيل، والدفع باتجاه تحريكه لممارسة الضغط على حكومة نتانياهو للتعاطي مع هذا الملف، وإجبارها للتعامل مع ما تطالب به الحركة عبر وسطاء يمكن الوثوق بهم، ولكن هذا يتطلب "معلومة" ولو بسيطة تؤكد أن ما بأيدي المقاومة يستدعي الأثمان التي تطلبها.

يقول الأخ حسن سلامة في رسالته ما يشي بما كنا نتهامس به خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو أن حكومة نتانياهو لن تفتح هذا الملف طالما أن حركة حماس لم تتحدى صمتها بمعلومات تفضحها أمام الرأي العام الإسرائيلي، وتدلل على صدقية المقاومة، وكذب نتانياهو وحكومته فيما يتعلق بالأسيرين من ذوي الأصول اليهودية الأشكنازية.. ويشرح الأخ حسن (فكَّ الله أسره) سبب تجاهل حكومة نتانياهو واستهتارها لأكثر من ثلاث سنوات، بالقول: "ولماذا لا، وهي التي أعطيت من الراحة التامة، الأمر الذي يجعلها ألا تفكر نهائياً في دفع الثمن، وأي ثمن ستدفعه مقابل أموات!! هكذا قالت لشعبها، وشعبها يصدقها رغم أنها كاذبة؛ لأنه لا يوجد رواية أخرى ودليل واضح يفضحها، ويعري ويكشف كذبها.. لماذا وما السبب، هذا هو المحير، والذي قد احتار فيه الجميع؟! وأضاف: إن هذا التجاهل هو تأكيد على أن هذه الحكومة المرتاحة البعيدة عن أي ضغط جماهيري غير جادة. وهنا، لو تصورنا أن هذه الحكومة - وخلال هذه السنوات الثلاث - وبحسن إدارتنا للملف، وبتفعيل ورقة الضغط الجماهيري، لكانت جماهيرهم - الآن - تجلس في خيم الاعتصام أمام بيت رئيس وزرائهم.. بالله عليكم، هل سيكون رده وجوابه كما هو الآن؟! الجواب متروك لكم...!!".

وفي لغة فيها دمعة المحبين ومحبة العاتبين يقول: "بالله عليكم.. من كان عنده من الخير الكثير - كما أعلن أنه سيفاجئ الجميع - يبحث عن ثمن معلومات!! وهو الذي سيدِّفعهم "الطاق طاقين"، ومن كان يملك الخير الكثير - كما يقول - ألا يستطيع بإدارة هذا الملف أن يرقصهم "الخمسة بلدي"، كما يقال بالعامية...!! ألا يستطيع أن يناور بأسير - بشكل واضح وجلي - كشاليط حي لا لبس في ذلك، فيستفيد من ضغط الجمهور، ويطلب ما يريد من أجل معلومة عن الآخرين، وهناك بدل المقترح ألف مقترح، وألف فكرة لم تستخدم ولم تفعّل، لماذا الله أعلم.؟!".

وفي نهاية الرسالة وما توحيه مضامينها من عتب، يعبر الأخ حسن عن خلقه الكريم، وأدبه الجمِّ في مخاطبة إخوانه في قيادة القسَّام، قائلاً: "رسالتي هذه التي هي "رسالة العيد" ما قصدت منها أبداً أن تكون ضاغطة على المقاومة، وأنا منهم وحريص عليهم، ويفوق حرصي على نفسي التي ما أهمتني، وأنا أكتب هذه الرسالة، وأعلم أنها ستحمل لي المتاعب، ولكنها متاعب مقدور عليها.. وأضاف: "المهم ألا يفهمني إخواني المجاهدين بطريقة خاطئة، وليأخذوا من رسالتي هذه الجانب الإيجابي، وليكن مثلي كمثل أي محلل سياسي يناقش ويطرح وجهة نظر قد تكون صائبة".

لقد قرأت هذه الرسالة أكثر من مرة، وتمليت نبرة العتب في بعض سطورها، وشدتني لصاحب تلك الابتسامة الساخرة من الاحتلال وأحكامه الجائرة، أكثر من خاطرة، كما أن بعض الذكريات المتعلقة بملف صفقة شاليط قد استيقظت هي الأخرى، وحفزتني على كشف بعض الأسرار حول بدايات تلك الصفقة، والمفاوضات التي جرت خلالها.

ملف صفقة شاليط: البدايات

لا شك أن "رسالة العيد" هذه قد حركت المواجع، وهو ما دفعني للحديث عن بعض أسرار ملف شاليط، والتي لم يسبق لي المرور على ذكرها من قبل، ولكنَّ فيها بعض ما يمكن أن نستفيد منه الآن، خاصة ما له علاقة بتوظيف الرأي العام الإسرائيلي وعائلات الأسرى، إضافة للأبعاد الإنسانية التي عادة ما تصاحب هكذا قضايا، وتستدعي حراكاً دولياً يعزز من تفاعلات التعاطي معها، والتسريع بإيجاد حلولٍ لها.

في يونيه 2006، اتصل بي محامي أمريكي اسمه "إدوارد ميلر"؛ وهو شخصية يهودية محافظة، وكان يبدي تعاطفاً للحق الفلسطيني، وقد سبق لي أن عرفته من خلال كتاب متميز له عن العلاقات الإسلامية اليهودية عبر التاريخ، والتي أنصف فيها مواقف المسلمين ودورهم في حماية الأقلية اليهودية من الاضطهاد خلال "محاكم التفتيش" في القرن الخامس عشر بالأندلس، وكذلك عمليات الإبادة (الهولوكوست) في أوروبا إبَّان الحرب العالمية الأولى، حيث فتحت الدولة العثمانية أبوابها مشرعة لهجرة الكثير منهم إلى ممالكها الإسلامية بما في ذلك فلسطين وشمال أفريقيا.

كان كتابه "رؤية إبراهيم: قصص متشابكة من الإسلام واليهودية"، هو شهادة - من خلال الصور - لفضل المسلمين على اليهود واليهودية، وقد طلب مني مراجعة الكتاب، وتمنى لو أن الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله) يكتب التقديم للنسخة العربية.

كان الكتاب - حقيقة - يستحق الإشادة والثناء، وقد صدرت نسخته الإنجليزية الأولى في أمريكا عن دار (أمانا للنشر) عام 2005، بتقديم للشيخ طه جابر العلواني (رحمه الله)، والذي كانت له مساهمة مشكورة في توضيح بعض الأمور اللاهوتية، التي غابت معرفتها الدينية والتاريخية عن ذهن المؤلف.

كان "إدوارد ميلر" يهودياً أمريكياً محافظاً مع مسحة من التدين، إلا أنني لم أشعر يوماً أن له ميولاً صهيونية متعصبة، حيث كان يبدي تعاطفاً لنا كفلسطينيين، ويتفهم حالة المظلومية التي نعيشها، وكان يعبر عن استيائه من ممارسة المستوطنين وتعدياتهم على المسجد الأقصى؛ وأنهم لا يمتون للديانة اليهودية بصلة.

كان "ميلر" يحدثني عن السلام دائماً، وأننا جميعاً قد تعرضنا للظلم والاضطهاد، وقد آن لنا أن نسعى لتحقيق السلام والأمن بيننا.. هذه المسألة أخذت نقاشاتها أحاديث وحوارات مطولة بيننا، ولكننا لم نصل للقناعة التي يريدها حول مسألة التعايش بين اليهود والفلسطينيين، وكذلك كان الأمر بالنسبة لي.

غادرت أمريكا في منصف عام 2004، وانقطعت بعد ذلك الاتصالات بيننا لسنوات.. في فبراير 2006، التحقت بالعمل الحكومي كمستشار لرئيس الوزراء إسماعيل هنيَّة، مما أعطى لإسمي الكثير من الشهرة، كما منحني الظهور المتكرر على وسائل الإعلام الغربية.

ذات يوم من شهر يونيه من نفس العام، وقرابة منتصف الليل، تلقيت اتصالاً من أمريكا، ليخاطبني صاحبه باللغة الإنجليزية والعربية المكسرة، قائلاً: أحمد كيف حالك؟ أنا إدوارد ميلر.

وبعد حديث طويل حول ذكريات الماضي، وشكواه من عدم تمكنه من طباعة الكتاب باللغة العربية، لأسباب لها علاقة بضعف نص الترجمة، وصعوبة العثور على ناشر في الدول العربية، ونحو ذلك. ثم أخذ يسألني عن إمكانية نشر الكتاب في فلسطين، إلا أن ظروف الحكومة كانت – آنذاك - بالغة الصعوبة مالياً، برغم أهمية الكتاب وقيمته المعرفية العالية.. وكالعادة كان يأخذنا الحديث عن فرص تحقيق السلام بين الشعبين، وضرورة التحرك لوقف حمامات الدم، وعدم تكرار تجربة الصراعات الدينية التي اجتاحت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد ظهور حركة الإصلاح البروتستانتية، والتي أهلكت الحرث والنسل لعقود طويلة.. وأننا يجب أن نتعلم من دروس التاريخ، حيث إن الذي بيننا من صراع يمكن أن نجد له حلاً؛ لأننا - دينياً – تعود جذورنا إلى أبناء ملَّة واحدة، وهي الحنيفيِّة السمحة، التي جاء بها سيدنا إبراهيم (عليه السلام).. كان الحديث - أحياناً - يطول بيننا، ولكنه كان أشبه بـ"حوار الطرشان".

ذات يوم، طرح "ميلر" فكرة العمل على ملف الأسرى، وأنه على اتصال بجهات في إسرائيل يمكنها المساعدة في هذا الجانب، ولكنَّ هذا يستدعي معلومات تفيد بأن جلعاد شاليط؛ الجندي المختطف والأسير لدى حركة حماس، ما زال على قيد الحياة.. وأخذ يشرح لي أهمية هذه "المعلومة" بالنسبة للرأي العام في إسرائيل، وتأثيرها الكبير إعلامياً على ما يجري داخل السجون والمعتقلات بحق الأسرى الفلسطينيين، وتعهد هو نفسه أن يفتح هذا الملف مع جهات مسئولة في الحكومة، والعمل على تسهيل زيارة أهالي الأسرى، والتي كانت قد انقطعت وتعقدت بعد عملية الاختطاف.

قلت له: سأنقل هذه الرغبة للإخوة في الحكومة، فلعل وعسى.

قال: إن المطلوب فقط رسالة مختصرة من شاليط إلى أهله تفيد بأنه حي يرزق.

قلت له: سأبذل جهدي، وإن كانت المسألة تبدو لي بالغة الصعوبة.

قال: أرجوك - يا أحمد - أن تعمل شيئاً، فأنا خلال زيارتي لإسرائيل قد التقيت أسرته، وقد حثَّني والده على التحرك في أمريكا، وضرورة مخاطبة المسئولين في إدارة الرئيس بيل كلنتون لإدراج قضيته في أي حوارات مع السلطة الفلسطينية.

تذكرت - وأنا أحاوره - كم من الوفود الأجنبية تحدثت في قضيته، وأثارت مسألة التوسط، بهدف التوصل إلى صفقة مع حركة حماس، حيث إنه لم يبق هناك سفير أو مبعوث أوروبي خاص جاء زائراً إلى قطاع غزة إلا وطرح قضية شاليط على رئيس الوزراء - آنذاك – إسماعيل هنية!! لقد كنا نقول لهم: إن هناك أكثر من خمسة آلاف "شاليط" لنا في سجون الاحتلال، وهم يعانون من ظروف لاإنسانية، والمئات منهم في غرف العزل الانفرادي، ولا يستطيع أحد من أهلهم القيام بزيارتهم.. فما لكم لا تطرحون قصة الآلاف من "شاليط الفلسطيني"؟!، ولماذا جلَّ اهتمامكم يقتصر فقط على شاليط الإسرائيلي؟!

في الحقيقة، كانت قضية الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، والمعاناة التي يتعرضون لها هي واحدة من القضايا التي منحتها حكومة إسماعيل هنية جزءاً لا بأس به من اهتماماتها، وكنا نطرحها مع كل وفد أجنبي زائر جاء يطالبنا - في سياق إنساني - بمعلومة عن شاليط.

تكرر سؤال "ميلر" ووعده بأن يبذل كل ما في وسعه لتخفيف معاناة الأسرى، وأن كل ما يطلبه هو فقط "معلومة" تقول بإن شاليط على قيد الحياة.

اجتهدت في طرح القضية من زاويتها الإنسانية والأخلاقية في أحاديثي مع إخواني في الحكومة والحركة، كما أن الرئيس (أبو مازن) تحرك هو الآخر لتوفير مثل هذه "المعلومة" للإسرائيليين، بل واستعد أن يكون ضامناً لصفقة مع حكومة يهود أولمرت!!

كان المناخ السياسي بالنسبة لهذه القضية ضاغطاً على الحركة والحكومة في قطاع غزة.. وفجأة؛ ظهرت تلك المعلومة في 25 يونيه 2006، عبر رسالة من شاليط إلى أهله وحكومته مطالباً الجميع بالتحرك للإفراج عنه.. بعد تلك الرسالة، أيقن الجميع في إسرائيل والعالم أن شاليط على قيد الحياة.

اتصلت بالسيد "ميلر" لأخبره بأن ما طلبه من جانبنا قد تحقق، حيث أرسل شاليط رسالة لأهله تثبت أنه ما زال حيَّاً، والآن جاء دوره للتحرك، للوفاء بما سبق أن وعد به.

عاد لي بعد أسبوع ليقول: يا أحمد.. إن "الشاباك" أخبروه بأنه لا دخل لي في هذا الأمر، وأن مسألة توقيت الإعلان كانت مجرد مصادفة؛ أي أنك – يا أحمد - لا دخل لك بالجهد الذي تمَّ، وبهذه الرسالة!!

لم أتواصل مع "ميلر" بعد ذلك، واختصرت العلاقة به في جملة إن "خيانة العهد" هي للأسف طبع متجذر عند قومك، وقد عرفناه عبر التاريخ، ولا غرابة – بالنسبة لي – في ذلك.

بعد تلك الرسالة من شاليط إلى أهله تحرك الملف، ودخلت أطراف دولية على خط الوساطة، حيث كنت متابعاً بعض جوانبها مع د. محمود الزهار، والذي أبلى بلاءً حسناً لقرابة الثلاث سنوات، وتمكن مع الوسيط الأوربي (الأول والثاني) تذليل الكثير من العقبات، التي مهدت الطريق لاحقاً لإتمام صفقة "وفاء الأحرار"، وتكللها بالنجاح، والتي أشرف على هندسة تفاصيل نهايتها الشهيد أحمد الجعبري مع طرف الوساطة المصرية، الممثل بجهاز المخابرات العامة.

ختاماً.. نحن نتفهم موقف قيادة كتائب القسَّام من حيث الإصرار على عدم فتح الملف، إلا بعد إطلاق سراح الإخوة الذين أعيد اعتقالهم من صفقة "وفاء الأحرار"، والذين تجاوز عددهم الخمسين، على خلفية ادعاءات إسرائيلية أمنية باطلة، وذلك بدعوى أن هذه الإجراءات تمثل نقضاً للاتفاق الذي وقعته إسرائيل برعاية مصرية عام 2011. ولذلك، فإن وجهة نظر القسَّام فيها بعض الوجاهة من الناحية القانونية والأخلاقية، ولكن هذه مسألة يتوجب على الطرف المصري أن يأخذها في الحسبان، إذا ما أريد - فعلاً - لهذا الملف أن يتحرك.

وفي الوقت ذاته، وبناءً على ما جاء في "رسالة العيد" من العتب، فإن على الإخوة في قيادة الكتائب - والمسئولة حصرياً في التعاطي مع هذا الملف - أن تفتش عن صيغة لدفع عوائل الجنود الأسرى للتحرك، بهدف استنهاض الرأي العام في إسرائيل، وفضح حكومة نتانياهو لتباطؤها في التعاطي مع هذا الملف بالسرعة المطلوبة.

أضف تعليقاً المزيد