فسحة للرأي

ما بعد بعد المصالحة الفلسطينية

عماد عفانة |
ما بعد بعد المصالحة الفلسطينية

 كتب - عماد عفانة


المشهد الأول:
يبدوا أن الـ 84 عاما التي مرت من عمر الرئيس الفلسطيني محمود عباس كانت كفيلة بإقناعه أن ما يسمى بـ هجوم السلام الفلسطيني قد وصل أخيرا إلى الحائط بعد ثلاثين سنة على انطلاقة.
وأن رهانه على حل الدولتين قد مني بخسارة نكراء في معركة البقاء على هذه الأرض، وأن الحلم بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الـ 67 أصبح مستحيلا بعدما نجح الاستيطان في ابتلاع الأرض ومعه الحلم الفلسطيني بدولة مسالمة إلى جانب "اسرائيل".
وما يؤكد ما ذهبنا إليه هو خطاب النعي لأوسلو ولمسار التسوية مع الاحتلال الذي ألقاه عباس مؤخرا من على منصة الأمم المتحدة، والذي أقر فيه بفشل السلطة التي تحولت لسلطة بدون سلطة.
إلا أن التحذير الذي أطلقه عباس بحل السلطة وترك "إسرائيل" تتحمل مسؤوليتها كدولة احتلال والعودة لخيار الدولة الواحدة من البحر إلى النهر، لا يبدو واقعيا في ظل موازين القوى والتحولات الكبرى في خرائط الإقليم التي ترسمها البنادق التائهة بالدم والرصاص.
وعليه بات عباس بحاجة إلى البحث عن الخيارات البديلة، وأن يحاول جمع أوراق القوة حوله من جديد، وأول هذه الأوراق استعادة السيطرة على قطاع غزة.
المشهد الثاني:
حماس وبعد أكثر من عشر سنوات عجاف من الحصار وخطابات الصمود الجافة، وبشكل دراماتيكي يدل على براغماتية مفرطة تذهب مع جل بيضها لتلقيه في حجر المخابرات المصرية، وتودع لديها اللجنة الإدارية ومعها كل مكونات الحكم في غزة منذ 2007م حتى اليوم، أملا بالحصول على مصالحة شاملة مع الرئيس عباس تأذن بدخولها ما يبدو أنه بيت الطاعة الفلسطيني – المجلس الوطني ومنظمة التحرير ولجنتها التنفيذية – للشروع في أولى خطوات إعادة البناء ونفخ الروح في هذه الهياكل التي صفرت فيها رياح الإهمال سنوات طويلة لصالح السلطة وهياكلها المختلفة.
حماس وفي مغازلة مفضوحة لعباس بررت خطوتها السريعة نحو القاهرة، بأنها قامت بحل اللجنة الإدارية واستجابت لكل شروط المصالحة التي طلبها عباس كي لا يقف الرئيس وحيدا ضعيفا على منصة الأمم المتحدة، وكي يظهر بأنه يمثل الكل الفلسطيني.
المشهد الثالث:
يبدوا أننا كفلسطينيين أمام فريقين أحدهما متمثلا بفريق عباس فشلت خياراته السياسية وأوصل القضية إلى طريق مسدود، وسمح للعدو عبر سنوات المفاوضات الخداعات بابتلاع الأرض ومعه الحلم الفلسطيني بدولة مستقلة، وأعلن هذا الفشل من فوق أكبر منبر في العالم وهو منصة الأمم المتحدة.
وفريق آخر متمثلا بحماس يبدو أنها تحاول عبر تحقيق المصالحة الفلسطينية الفلسطينية النفخ في أوراق القوة الفلسطينية عبر إحياء المرجعيات التي أنجبتها الثورة وأهملها السلطة في سنوات الرهان الخاسر والتيه السياسي، مستندة إلى إرث طويل من المقاومة والنضال، ثم على بعض قوة نجحت في مراكمتها خلال سنوات الموت والألم.
المشهد الرابع:
وما بين الواقع المر للقضية الفلسطينية الذي شخصه الرئيس عباس أمام العالم في الأمم المتحدة، وما بين الخيارات البديلة التي يحاول كل من عباس وحماس البحث عنها في جنبات المراجعة، يبدو أننا بتنا ككل فلسطيني بحاجة إلى مراجعة استراتيجية لا يتفرد برسمها فصيل أو حزب دون آخر مهما بلغ حجم هذا الطرف أو امتلك من طقوس الشرعيات المفترضة.
صراع الشرعيات بين الحركات والأحزاب أوصل القضية إلى ثقب أسود تبتلع فيه "إسرائيل" كل شيء الأرض والعرض، الحياة والحلم، والبقاء في هذه الدائرة المفرغة يضع الجميع أمام مستقبل غامض في ظل معادلة التسوية الجديدة أو ما يسمى بـ (صفقة القرن).
وعليه ربما بات على شعبنا وقواه الحية في كل أماكن تواجده رفع الصوت عاليا وعدم السماح لأي جهة بالتفرد برسم معالم المراجعة والاستراتيجيات القادمة لقضيتنا، فخطورة المرحلة تتطلب قيام الكل الفلسطيني بدوره في عملية المراجعة الاستراتيجية وتصويب المسار الوطني.
حركة فتح التي احتكرت رسم السياسات العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ 1969، كما احتكرت موقع القيادة فيها، فشلت فشلا ذريعا في كل رهاناتها السياسية بدءا من فكرة الدولة الديمقراطية العلمانية 1970، مرورا بالبرنامج المرحلي وفكرة السلطة المقاتلة على أية أرض فلسطينية 1974، ثم مشروع التسوية السياسية وحل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية عام 1988، وليس انتهاء بتوقيع أوسلو 1993 ثم قيام السلطة، وما أعقبه من تغيير وتشويه الميثاق ومعه كل تاريخها الوطني 1996.
ولم يعد في القوس منزع للسماح لأي حركة أخرى مهما بلغت من القدسية والطهارة الوطنية بتكرار ذات التجربة، وبات الواقع المر يفرض على قوى شعبنا الحية ممارسة دورها الحقيقي في إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الإطار الجامع والبيت المعنوي للشعب والقضية، لتمارس دورها الذي أنشأت من أجله وهو التحرير وتحقيق حلم العودة.
تأبى الرِّماحُ إذا اجتمعنَّ تكسُّراً ... وإذا افتــــرقَنّ تكــسّرتْ آحادا

أضف تعليقاً المزيد