فسحة للرأي

العرب الى أين؟

عبد الله زيادة |
العرب الى أين؟

 كتب - عبد الله زيادة *:  المتابع للمشهد السياسي العربي يدرك مدى التغييرات الجذرية المتجددة كل يوم، ومع كل أسف ليست من مصلحة العرب في شيء، بل تهدف للقضاء عليهم وتمزيقهم وضياع كل مقومات حضارتهم ووحدتهم.

لربما أن الهدف الأساسي لهذه المستجدات هو تكوين سايكس بيكو جديدة تحدّد معالم الشرق الأوسط الجديد، فهناك وكما هو معلوم للجميع صراع نفوذ ما بين شقّي القرار في هذا العالم ؛ المعسكر الشرقي بقيادة روسيا، والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والعرب هم الضحية الأكبر لهذا العداء التاريخي.
تفاءل المواطن العربي كثيراً للربيع القائم على سقوط أنظمة واستبدالها بأخرى، ظنّا بأنه أقام دولة الاكتفاء الذاتي وتخلّص من التبعية المقيتة، ولكن ما حدث العكس تماما، فقد ساء الوضع بشكل كبير، مما نتج عنه سقوط دول وجيوش وانقسامات قاتلة، أنهكت الواقع العربي والحلم الوحدوي المزعوم، نتيجة غياب القرار السياسي المستقل والخلاف الجذري الفكري والسياسي، مما أحدث شرخاً واسعاً في العلاقات القائمة بين تلك الدول، فالغرب والشرق لهم أطماعهم الخاصة في المنطقة، يجاهد كل منهما في تكوين حلفٍ قوي لبسط نفوذه بشكل أعمق، وللأسف تصفية الحسابات ما بينهم نحن من ندفع ثمنها دائما، نحرق أنفسنا بأيدينا، بل إن المتابع للمشهد يدرك أن ماضينا أقرب للقومية العربية وتحقيقها مما هو عليه اليوم، وإن لكل نهاية سكّرات، أهمها الصراع الطائفي الذي مزّق كل أمل قادم في إقامة دولة عربية واحدة يحكمها المصير العربي المشترك.
ذلك المصير الذي أصبح ضبابا مجهول الهدف، فالصراع الطائفي انعكس بالسلب على الحياة العامة في المنطقة، فقد شُحنت القلوب نتيجة ازدواجية المواقف وتغيرت المطالب وفق المصالح، فتشكلت كيانات جديدة وأحزاب وحلفاء وفق رؤية الهدف الإستراتيجي الموحّد، إما لعرق أو لدين أو لموقف سياسي مشترك، لذا فحال العرب كعجوز يحتضر لا يقوى أن يتكلم، مقيّد لا يتحرك، والربيع العربي الذي صفّق له الجميع تحول لربيع دولي عالمي للهيمنة على أكبر جزء ممكن من تاريخنا ووحدتنا وقوتنا التي أصابها المرض، فليس من مصلحتنا أن نتوسع في الفُرّقة والتمزق ونغرق في مستنقع الفتنة لمصالح خارجية، لا هدف لها سوى إضعافنا أكثر فأكثر، حتى نختفي من المشهد بالكامل! فمتى سندرك تلك اللعنة التي حلّت بنا؟
زد على ذلك أن الإعلام العربي أصبح بعيدا كل البعد عن كل القضايا التي تهم المواطن وتخدم الوطن، فقد غدا إعلاماً موجهاً لتحقيق مآرب خاصة ضيّقة لفئات معينة لا صالح لها سوى مصالحها، كل ذلك يزيد من الجرح المغلف بالدبلوماسية، العرب ومع كل أسف لا يعلمون عن الحيّاد شيء، فالحياد لا يعني الجُبّن أو النفاق؛ بل يعني الإستقلالية والموقف الثابت، لذا فإن استمر العرب على هذا النهج، سيخسرون المزيد من وحدتهم وأوطانهم وآفاق لمَ شمّلهم، وسيصبح الوطن العربي وطناً محتلاً بأكمله، بل ستكون هناك دولاً مقسّمة تحت راية الاستعمار من جديد، فليس من العيب أن تنتج خلافات في وجهات النظر، بل هذا أمر طبيعي جداً، ولكن العيب أن يتحول هذا الخلاف لعداء قد يحرق الأخضر واليابس، لذا فطريق العرب ملبّدة بالمطبات السياسية الوعرة، وجب عليهم تجاوزها، أو لنقل تقبّلها قدر الإمكان، ما لم تهدف لطعن العروبة في خاصرتها من جديد، والتغلّب على كل الثغرات التي من المستحيل قبولها والصمت عليها، وإلا فجامعة الدول العربية هي كيان مشتت لا يمثل أحد.
لست ضد الربيع العربي بل ضد من ساهم في تحريفه عن مساره وأهدافه الواضحة والمعلنة، ضد من قفز على إنجازاته الملموسة، هنا أنا مع العرب ووحدتهم على غرار دول الإتحاد الأوروبي، في ظل كيان واحد وقرار مستقل، لأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يُفرقنا. بالأمس البعيد فقط كنا نفخر بإقتصادنا وقوتنا، كان يهابنا الكثيرون، بينما اليوم أصبحنا فرّقاً متنازعة ودول داخل الدولة الواحدة، مع أن ديننا واحد ولغتنّا واحدة، بينما تجد دولً من قوميّات وأديان ولغات مختلفة تجدهم كتلة واحدة وذلك الفرّق كله، نتيجة غيّاب الهدف والقرار والإنتماء لعروبة المفروض أن تكون كالبنيّان المرصوص، وما زال الأمل موجود لذلك ..فقط حينما نصحو من سبّاتٍ ربما سيتجاوز أهل الكهف!
 
* كاتب فلسطيني/ نابلس
 
 

أضف تعليقاً المزيد