فسحة للرأي

الإمام القرضاوي حنبل هذا الزمان

شامة حلمي عمران |
الإمام القرضاوي حنبل هذا الزمان

علَّمنا التاريخ أنه من أراد الله أن يُكرمه أطال ذكره على ألسنة الناس حتى بعد موته، ولو أراد أن يكرمه ويزيد على ذلك فيُطيُب ذكراه، فيستسيغها حتى من لم يعرف به أو لم يلتقِ به يوماً.

ومن أبلغ الأمثله على ذلك سيرة الإمام أحمد بن حنبل؛ حيث طيب الله ذكره بعد موته بمئات السنين وحتى الآن يسعنا نحن العوام الآن، وبعد مئات السنين أن نذكره حتى وإن لم نعرفه يوماً، ولم نلتقِ به أو حتى سمعنا إحدى خطبه.

 كتبت - شامة حلمي عمران *  


ولكن بعضنا يذكر مواقفه، وجلنا إن لم يكن الجميع من العارفين به نعتبره مصدراً للثبات والصمود.

فما رأيت أحدهم يريد أن يقنعك بأمر ما وقد استصعبته فعاد يقول لك: "يا أخي.. ما تبقاش حنبلي"، أي لا تكن صلباً وتدقق في الأمور هكذا، أو لا تتشبث برأيك لهذا الحد، وهذا نسبة للإمام ابن حنبل.

الإمام ابن حنبل كان من أئمة السلف والسنة الذين اعترضوا على آراء فرق المعتزلة الذين تخفوا في عصر هارون الرشيد خوفاً من بطشه؛ حيث كانت لهم آراء غير مقبولة من قِبل علماء السنة، فكانوا يدعون أن القرآن ليس كلام الله بل خلقه الله، وكانوا يجيزون الخروج على الخليفة في حال ظلمه، ولا يصدقون بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحاب الكبائر، ولا يعتقدون في رؤية الله لا في الدنيا ولا في الآخرة.

التفت فرقة المعتزلة بآرائهم التي تحيد وتتفلسف عن الحق حول الخليفة المأمون، الذي أمر بإحضار الإمام ابن حنبل إليه في بغداد؛ ليعاقبه لاعتراضه على آراء تلك الفرقة التي حادت عن الحق، وما كان من الإمام السني إلا أن دعا الله ألا يريه وجه الخليفة الذي أقسم أن يقطعه إرباً إن رآه، واستجاب الله دعاءه ومات الخليفة قبل أن يصل الإمام إلى بغداد، وما لبث أن حمد الله أن استجاب دعاءه حتي تولى الخليفة المعتصم الخلافة وأمر بإحضاره إليه؛ ليناظره أئمة المعتزلة ثلاثة أيام، وبالرغم من أن الإمام أفحمهم فإن الخليفة حبسه وعذبه وأمر بضربه بالسياط، ضعف جسد الإمام من شدة الضرب، وما حرك ساكناً حتى ظنوه مات، فحملوه وألبسوه الثياب وأعادوه لبيته وأرسل الخليفة من يتابع حالته الصحية حتى تحسن.

ولما استرد عافيته خلع الثياب التي أهداها له الخليفة المعتصم وباعها وتصدق بثمنها، وندم الخليفة على ما فعل بالإمام ابن حنبل وصلح حاله، ولكن بعدها تولى ابنه الواثق الخلافة وظلم الناس واستبد بأهل السنة وعظم البلاء والكرب وبعث للإمام أحمد يحذره من التجمع بالناس وإلقاء الخطب، وأمره أن يذهب حيث شاء من الأرض وأن يرحل.

واختفى الإمام أحمد عن أعين الناس، ولم يكن يخرج حتى للصلاة، حتى تولى الخليفة المتوكل الخلافة وكان عادلاً سُنياً، فأحسن إليه حتى رفع بعض أهل الوشاية والأهواء إلى الخليفة كذباً أن الإمام أحمد بن حنبل يخفي رجلاً علوياً في بيته، فبعث الخليفة برجاله يفتشون بيت الإمام ابن حنبل، ولما تحققوا من كذب هذا الادعاء أرسل إليه الخليفة المال تكريماً له، فقبل الإمام المال خوفاً من بطش الخليفة ووزع المال على الفقراء وتصدق به كله حتى الكيس الذي وضعوا به المال تصدق به، وأكرمه الخليفة لما علم بمرضه الشديد فكان يبعث إليه بالموائد والمال والتي لم يقبل منها الإمام شيئاً ولم يلتفت إليها.

انبهرت أُم الخليفة المتوكل بعزة نفس الإمام وورعه، فلما رأته أوصت ابنها أن يتقي الله به وقالت: "الله الله في هذا الرجل يا بني، فليس هذا ممن يريد ما عندك".

ورع الإمام ابن حنبل وموقفه الثابت مثل يحتذى به الصالحون من الأئمة الذين لم يرهبهم سلطان السلاطين ولا جبروت الحكام، والذين هم قلائل في هذه الأيام الصعبه، مثل الإمام القرضاوي إمامنا الثائر رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي قيل عنه على لسان د. محمد الصغير مستشار وزير الأوقاف الأسبق: "في بداية التحاقي باﻷزهر الشريف وكنا نسكن في المدينة الجامعية بالقاهرة وعامة الطلاب يومئذ ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولكن لفت نظري مجموعة من زملائي على غير المعروف وﻻ المألوف؛ تظهر عليهم شبهة غنى أو أثارة من ثراء، فسألت عنهم فكانت اﻹجابة هؤﻻء أبناء القرضاوي. قلت: كيف أبناؤه وهم كثر؟ فقالوا: هؤﻻء من راسلوا الشيخ وعلم بحاجتهم فتكفّلهم، وقال لي أحدهم: إن موﻻنا اﻹمام يرسل له مائتي جنيه شهرياً، وكانت نفقات اﻹقامة واﻹعاشة كاملة بالمدينة الجامعية وقتئذ أقل من أربعين جنيهاً".

وفي رسالته لابنته علا القرضاوي بعد اعتقالها وزوجها المهندس حسام خلف دون أدنى تهمة، قال الإمام "وأبوك يا ابنتي، قد سار بين الناس طول عمره بالدين، وتعليم الدين، فقيهاً ومفتياً، وداعياً ومعلماً، وشاعراً وكاتباً، ما خان أمته، ولا أضاع رسالتها، ولا كذب عليها في حياته منذ عرفه الناس إلى أن جاوز التسعين، زار القارات كلها، وزار البلاد المهمة، ولم يتخلف عن قضية للأمة، ولم يتكاسل عن واجب للمسلمين، وإذا كان هذا لم يعجبهم؛ لأنهم لا يهمهم أمر الإسلام، ولا أمته، ولا حضارتها، ولا دينها وثقافتها، فما ذنبك أنت؟ لماذا يعاقبونك أنت؟ أو لماذا يعاقبون أباك في صورتك؟".

وما نذكره للشيخ الفاضل هو موقفه من رفض الظلم والقتل، والناس مواقف، يخلد ذكرهم التاريخ إن أحسنوا وثبتوا، ويعطر الله ذكراهم إن استمسكوا واعتصموا، ولا ذكرى لمن ظلم ولا عزاء لمن تجبر.

المستمسكون فقط هم من ينعم الله عليهم بطيب الذكرى أبد الدهر، إمامنا القرضاوي (ابن حنبل هذا الزمان)!

* مصرية مقيمه بالولايات المتحدة الامريكية/ المقالة نقلا عن "هاف بوست"
 

أضف تعليقاً المزيد