اخباريـات عالمية

كيف ساعد كاتبان مصريان السفارة الإسرائيلية في القاهرة من دون أن يتحدثا معها ولو كلمة؟

|
كيف ساعد كاتبان مصريان السفارة الإسرائيلية في القاهرة من دون أن يتحدثا معها ولو كلمة؟

القدس المحتلة:  العصر ما بعد الطبيعي. اتخذ الكاتب المصري د. يوسف زيدان لنفسه عادة في السنوات الأخيرة. فهو يجلس في استديو التلفزيون، بكل هيبة ووقار، ويقلل بمنهاجية من أهمية القدس التأريخية للمسلمين. قبل نحو ثلاثة أسابيع، في مقابلة مع قناة تلفزة مصرية، أعلن الكاتب الفيلسوف من الاسكندرية أن المسجد المقدس في القدس ليس المسجد الأقصى المذكور في القرآن. وبعد ذلك أضاف إن القدس مدينة الأديان الثلاثة، واحد لا يمكنه أن يعزوها لنفسه.

بعد يومين من ذلك، رفع بوست في صفحة الفيس بوك لسفارة إسرائيل في القاهرة. هذه صفحة نشطة جدًا، تتمتع بـ 190 ألف متابع، وتدار باللغة العربية. «سررنا أن نسمع أمس الأول أقوال الكاتب المؤرخ يوسف زيدان»، كتب هناك. ظاهرًا هذا بوست بريء، غير أن أقوال زيدان في تلك المقابلة، تدحرجت لتصبح عاصفة سياسية كبرى. 

وأفاد صحافيون مصريون بنبرة متهكمة إن إسرائيل شكرت زيدان على أقواله الباعثة على الخلاف. آخرون كرروا الاتهام لأن تصريحاته هي جزء من حملة للفوز بجائزة نوبل. زيدان هو كاتب روايات ناجحة، إحداها ترجمت إلى العبرية «الجحيم» وحظيت بالنجاح. أما زيدان فليس فقط لم يذعر من رد فعل الجمهور، بل سرّه نشر السفارة الإسرائيلية أقواله في صفحتها على الفيس بوك.

هذا الأسبوع تكرر الأمر بصيغة أخرى. في هذه الأيام تصدر في إسرائيل الترجمة إلى العبرية لرواية «نادي السيارات المصري» للكاتب المصري علاء الأسواني. والأسواني هو كاتب الرواية ذائعة الصيت «عمارة يعقوبيان»، التي ترجمت جدًا في العالم منذ صدرت في 2003. وفي «نادي السيارات المصري» كرر الأسواني موضوعه المحبب. انشغال عميق في مفاسد المجتمع المصري. في بوست بالعربية نشرته سفارة إسرائيل في القاهرة يوم الاثنين من هذا الأسبوع، بشّر المتصفحين بإصدار الكتاب في إسرائيل أيضًا. وعندها كتب: «الرواية تُعنى بمسائل تتعلق بكل إنسان، مثل الكرامة، الحرية والعدالة».


في الحالتين كانت البوستات تتناول مسائل شائعة في الخطاب المصري. الأولى هي مكانة القدس الدينية، والثانية هي الأسواني نفسه. أما إسرائيل الرسمية فجعلت نفسها لاعبًا في الخلاف الذي ابطاله هما اثنان آخران. الأسواني هو منتقد حاد للحكم. وهو يكثر من انتقاده، والادعاء بأنه يحرم المواطن المصري حريته وحقوقه. هو ليس رجل الإخوان المسلمين بل رجل اليسار، وليس ممثلا لمصالح أجنبية. يهاجم، يصيغ نفسه بطلاقة، معروف جيدًا في العالم الواسع، وبأسلوبه وبمزاياه يشكل معارضة من رجل واحد.

وبالمقابل، يعبر زيدان بكتاباته، على نحو مبطن عن انتقاد شديد للإخوان المسلمين، ويبدي عطفًا على اليهود. صحيح أنه يُغيظ العرب، ولكنه محبوب من النظام.
إلى هذا المعمعان، مثلما في حالة زيدان، تدخل إسرائيل. وليس مجرد حكومة إسرائيل، بل ممثليتها الرسمية في القاهرة. وما كان لمسؤولي صفحة الفيس بوك في الصدارة أن يجتهدوا كثيرا. في حالة الخلاف حول القدس، منحوا زيدان عناقًا وأظهروا للجمهور أنه حبيبهم. في حالة الأسواني مجدوا القيم التي يروج لها في إبداعاته.


تصوروا صورة مرآة: مثقف إسرائيلي يَدِّعي أن للمسلمين حقوقًا أساسًا في جبل البيت، والسفير المصري في إسرائيل يمتدحه علنا. مثقف آخر ينشر رواية انتقادية عن المجتمع الإسرائيلي، والسفير المصري يُعلن صدورها، ويوصي بقراءتها. وبالفعل، لا حاجة للذهاب بعيدا. في سلسلة خطابات ألقاها السفير المصري في إسرائيل، حازم خيرت، وكذا في مقابلة منحها للموقع أدناه في صوت الجيش في إطار مناسبة الأربعين سنة على زيارة السادات إلى القدس، دعا الجمهور الإسرائيلي للضغط على حكومته للتقدم في مسيرة السلام. فما هو هذا إن لم يكن توجهًا للشارع الإسرائيلي من فوق رأس قيادته، غير المعنية حاليًا باستئناف القناة الفلسطينية؟


هل يوجد في البوستَين اللذين نشرتهما السفارة نوعٌ من الوقاحة الإسرائيلية؟ بقدر ما نعم. هل هي شرعية؟ احكموا بأنفسكم: القواعد قررها المصريون عندما تدخلوا في مسائل أمنية وسياسية تقسم المجتمع الإسرائيلي. هل هذا تعبير عن التطبيع؟ بالتأكيد. اتصال مباشر بين وزارة الخارجية الإسرائيلية والمتصفحين المصريين. هل يوجد هنا تغيير؟ واضح. هذه مبادرة إسرائيلية تنال الزخم.


درجت القدس على أن تسير على البيض في اتصالاتها العملية مع مصر. وها هي أمامنا قناة نشطة من الاتصال بينها وبين الجمهور المصري، من فوق رأس القيادة في القاهرة. هذه ثمرة التكنولوجيا، وهي نتيجة الشبكات الاجتماعية التي انتزعت من الرقابة على أنواعها الكثير من صلاحياتها. لا يسعني أن أقول إذا كنا نشهد ولادة تنظيم سري عبري جديد يسعى إلى امتطاء التكنولوجيا الحديثة كي يخترق المقاطعة المصرية على التطبيع أم مجرد مبادرة بريئة من الموظفين. الساحة المصرية ليست معتادة على تدخل إسرائيلي في شؤونها، وبالتأكيد ليس في القطاعات التي تخضع لتحكم السلطات، مثل حرية التعبير. شائق أن نتابع لنرى إذا كان سيكون هناك تواصل لهذا. ليس فقط للمبادرة الإسرائيلية بل أيضا للتسامح المصري. والى أن يحصل شيء ما سنتوجه لقراءة الجديد مما كتبه الأسواني.

جاكي خوري
معاريف

أضف تعليقاً المزيد