فسحة للرأي

أين نحن من المساءلة الاجتماعية؟!!

د. محمود نعمان الفطافطة |
أين نحن من المساءلة الاجتماعية؟!!

 كتب - د. محمود نعمان الفطافطة:  يعتبر مفهوم المساءلة الاجتماعية من أهم الغايات والأدوات المساهمة في خلق واقع متقدم ونوعي للإدارة الشفافة والرشيدة في القطاع العام، الأمر الذي يسهم في إخضاع المسؤولين الحكوميين للمساءلة عن أفعالهم، سيما المتعلقة بإدارة الموارد العامة. هذا المفهوم، أصبح العمل به، من أهم الدعائم التي تشارك فيه المؤسسات الخاصة، مثل شركات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية، من أجل تعزيز قدرتها على الإسهام في عملية تنمية المجتمع، وتحقيق المزيد من الازدهار والرفاه لبناء المجتمعات العاملة فيها.

وتكمن أهمية المساءلة الاجتماعية في محاور عديدة، أهمها: تحسين أداء الحكم الرشيد، زيادة كفاءة وفعالية التنمية من خلال تحسين تقديم الخدمات ورسم السياسات العامة، والتمكين عبر توسيع أطر العمل والمشاركة المدنية وحرية الاختيارات. فالمساءلة الاجتماعية ذات قيمة جوهرية تستند إلى مفاهيم ومبادئ رئيسة، مثل: المشاركة ، العمل الجماعي، الشفافية، الاستقلالية، الاستجابة والمصداقية، الديموقراطية والمساواة وغيرها.
ومن شأن المساءلة الاجتماعية، أيضاً، أن توفر آليات وأدوات مختلفة كثيرة ومرجعيات من أجل الصالح العام، الأمر الذي يفضح وقائع الفساد والإهمال والقصور داخل الهيكليات التنظيمية بالحكومة، وذلك من خلال تعزيز إمكانية النفاذ إلى المعلومات، ودعم وسائل الإعلام المستقلة، أو استخدام آليات معينة مثل السلطة القضائية، وجلسات الاستماع الجماهيرية العامة، حملات المناصرة وحشد التأييد والمظاهرات السلمية... الخ.
وفي حال تخصيص الحديث عن الحالة الفلسطينية، فإن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني أدركت أنها غير معزولة عن المجتمع، فهي كانت، وما زالت، تلعب دوراً هاماً ومركزياً، إلى جانب الفاعلين الآخرين في القطاع الحكومي، في تنمية المجتمع الذي تعمل فيه، وأنه بات عليها العمل بمفاهيم وأطر تطبيق المساءلة الاجتماعية وتوسيع نشاطاتها لتشمل توفير آليات فاعلة من شأنها التصدي للتحديات القائمة ومحاولة إيجاد حلول للمشكلات التي تقف عائقاً في وجه النمو الاقتصادي ورفاه المجتمع على المدى الطويل.
ونظراً لأهمية الدور الذي تلعبه هذه المنظمات في تفعيل عمليات التنمية المجتمعية، زاد الاهتمام في الفترة الأخيرة بهذه المنظمات لدراسة تفعيل دورها والعمل على التغلب على معوقات العمل بها، وطرحت العديد من المفاهيم العملية المستحدثة بالمساءلة الاجتماعية التي تستهدف في مجملها إلى تفعيل عمليات الحوكمة وتعزيز المشاركة المجتمعية، مع اتباع سياسة الانفتاح والريادة والشفافية عند اتخاذ المواقف.
وفي هذا الخصوص، سنتطرق إلى واقع المساءلة المجتمعية في فلسطين وارتباطها بجملة من القضايا المختلفة. وبالانطلاق من قضية المساءلة الحكومية، فإنه يمكن القول بأن من الوظائف الأساسية التي تعمل عليها منظمات المجتمع المدني هي مساءلة الحكومة من خلال أشكال المشاركة المدنية للمواطنين والمجتمع المدني لإخضاع الموظفين الحكوميين للمساءلة. وعليه، فإن مفهوم المساءلة الاجتماعية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم المواطنة التي تعطي التركيز الأكبر لحقوق المواطنين والأدوار والمسؤوليات التي تؤدي إلى تعزيز المواطنين وزيادة توقعات مشاركتهم الفعلية.
ويضاف إلى ذلك، فإن المساءلة الاجتماعية ترتبط ، أيضاً، بالتنمية المبنية على الحقوق المدنية والتزام مسؤولي الحكومة أمام المواطنين. وعلى هذا النحو، فإن المساءلة الاجتماعية توفر آليات وأدوات لرصد وحماية هذه الحقوق وتؤكد على ضمان أن أعمال الحكومة تعكس مصالح المواطنين.
وفي هذا الشأن، فإن استياء المواطنين من المؤسسات الحكومية يتعلق إلى حد كبير في قضايا عدم الاستجابة لاحتياجاتهم ومطالبهم بمساءلة المسؤولين الحكوميين. فمن خلال توفير المعلومات الهامة والمتعلقة بالحقوق واستحقاقات المواطنين والتماس ردود الفعل المنهجي لهم، يمكن أن توفر فرص جيدة لتعزيز وسائل وآليات المساءلة الاجتماعية، ومن ثم الاستماع إلى احتياجاتهم وتلبيتها؛ بما يتوافق مع المصالح العامة والفعلية للمواطنين.
وإذا كانت المساءلة الاجتماعية على هذا القدر من الأهمية، وإذا كان المجتمع يسعى إلى المزيد من التقدم والتطور والمحافظة على حسن الأداء وتقديم خدمات ذات جودة عالية تلبي طموحه واحتياجاته، فمن المهم جدًا أن تعمل الدول وحكوماتها على ضمان وجود إجراءات واسعة في سياساتها وخططها العامة ترسخ التزامها بالمساءلة الاجتماعية من لحظة تحديد المشكلة والاحتياج وصولاً إلى الدعوة والتفاوض من أجل التغيير.
وفي هذا الصدد، يتوجب الاشارة إلى أن نجاح مبادرات المساءلة الاجتماعية يعتمد، أيضاً، على قدرة وفعالية الحكومة. فمبادرات المساءلة الاجتماعية تصبح عديمة المنفعة إذا انهارت أجهزة السلطة أو كانت غير فاعلة، وبالتالي يجب تفعيل قدرة الإدارة العامة للحكومة والاستثمار بتنمية القدرات لتصبح أكثر استجابة لمطالب المواطن والمجتمع.
كذلك الحال، يرتبط مفهوم المساءلة الاجتماعية ارتباطًا وثيقًا مع المشاركة، سيما مشاركة المواطنين والمجتمع المدني، والتي تميّز المساءلة الاجتماعية عن الآليات التقليدية للمساءلة . ففي كثيرٍ من الحالات، لا يشارك المواطنين والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في أنشطة المساءلة الاجتماعية فقط، ولكن يتجاوزونها للشروع بالسيطرة عليها. فبينما تركز العديد من المقاربات التشاركية حصراً على المجتمع بصفة أحادية وفردية، توسع آليات المساءلة الاجتماعية فرص المشاركة على المستوى الكلي وتضمن إشراك المواطنين والمجتمع المدني وحتى المحلي في التحليل و /أو صياغة الموازنات الوطنية وتربط نتائج عمليات الرصد والتقييم التشاركية بالمسائل المتعلقة بالموازنات والحكم على مستويات تقديم الخدمات العامة، الخ.
كما أن للمساءلة الاجتماعية تأثيرات هامة على صعيد المساواة على أساس النوع الاجتماعي، لأن المرأة ممثلة تمثيلاً متدنياً وخجولاً وخاصة في المستويات القيادية بالحكومة، مما يضعف هذا التهميش السياسي قدرة المرأة على تعزيز مصالحها والدفاع عن حقوقها أمام الحكومة. ولتجاوز هذا التحدي، تم العمل على تحديث آليات المساءلة الاجتماعية بعدد من الأدوات التي تعزز قدرة المرأة على إسماع صوتها. مثال ذلك العمل على الموازنات الحساسة للنوع الاجتماعي، ومستويات التقييم ورصد الأداء التشاركية الخاصة بالنوع الاجتماعي والتي تم تصميمها خصيصا لمعالجة قضايا المساواة بين الجنسين.
وبالانتقال للحديث عن مبادرات المساءلة الاجتماعية الخاصة بالفئات المهمشة والمستضعفة في المجتمع، والتي يشكل الأطفال والشباب والنساء جزءاً كبيراً منها، فإننا نجد كثير من المبادرات في هذا الخصوص، حيث تتنادى عديد المؤسسات المجتمعية للاهتمام بهذه الفئة واطلاق مشاريع للتعريف بقضاياها ومناصرة حقوقها والدفاع عن تطلعاتها وآمالها. ولو أخذنا قضية التركيز المكثف على حقوق الطفل نرى أن منظمات المجتمع المدني تولي اهتماما كبيرا لها، إذ أصبحت اتفاقية حقوق الطفل العالمية المكون والمحدد الرئيسي لاعتماد والعمل على موازنات خاصة بالطفل وجوانب السياسات ذات الصلة والتابعة لها.
ولا يمكن لنا التطرق إلى المساءلة المجتمعية دون التعريج إلى قضيتين أساسيتين في هذا المجال، وهما: حق الوصول الى المعلومات، ودور وسائل الاعلام . فبخصوص المسألة الأولى، فإن الوصول إلى المعلومات وتفسير النتائج وخلق مجالات للحوار والنقاش العام يتوجب أن تكون من العناصر الأساسية في معظم مبادرات المساءلة الاجتماعية. فعندما يتناول عامة الجمهور، من خلال تنظيم الاجتماعات والمناسبات العامة، عرض تفاصيل تحليل الموازنات ونتائج مراجعة الإنفاق العام، أو مراجعة الحسابات أو نتائج رصد وتقييم المشاريع الحكومية، فإنه بذلك يعزز أهمية وتأثير استراتيجيات وآليات التواصل والمشاركة الفاعلة، ويسهم في خلق قوة دافعة للعمل المجتمعي والتفاعل المباشرة مع صناع القرار من المسؤولين الحكوميين.
فإعلام المواطنين بحقوقهم ومسؤولياتهم ومشاركتهم بالاهتمامات المجتمعية وحشد التأييد وبناء التحالفات والشراكات مع مختلف فئات المجتمع وذوي أصحاب المصلحة من أهم الجوانب الأساسية لإجراءات المساءلة الاجتماعية. ففي كل خطوة من مبادرات المساءلة الاجتماعية هذه، يتم إشراك المواطنين وحشد الدعم والتأييد. فقدرة المواطنين على تنظيم العمل الجماعي وقدرة مؤسسات المجتمع المدني على تسهيل ودعم هذه التعبئة لحشد التأييد للمساءلة يعتبر جانب مهم وحاسم بالنسبة لنجاح مبادرات المساءلة الاجتماعية. ولكن التحدي الأكبر يبقى في الوصول إلى الشرائح المهمشة من المجتمع والتي تتطلب بذل جهداً خاصاً.
وفيما يتعلق بالإعلام، فإن وسائله تلعب دورًا حاسمًا في تعزيز المساءلة الاجتماعية. ففي العديد من البلدان، تشكل وسائل الإعلام المستقلة القوة الرابعة الرائدة في إعلام وتوعية المواطنين ورصد أداء الحكومة وفضح الانحرافات والفساد، إذ تعتبر وسائل الإعلام وسيلة هامة يمكن للمواطنين العاديين من خلالها التعبير عن آرائهم ومناقشة قضاياهم العامة، سيما المتعلقة بوسائط التواصل الحديثة.. فكلما كانت وسائل الإعلام مستقلة، كلما أصبحت العوامل التي تسهم في المساءلة ضمن النظام السياسي العام هامة وشفافة. فالإعلام بأشكاله يبقى العنصر المشترك الوحيد والمهم لرفع مستوى الوعي حول القضايا العامة وخلق منصة للنقاشات العامة لمبادرات المساءلة الاجتماعية الناجحة وغيرها.
ويظهر واضحاً أن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني قد نجحت، إلى حدٍ مقبول، في تنفيذ الدور المطلوب منها. وقد أظهرت بأن لديها القدرة التشاركية الذاتية على تحقيق نتائج تشغيلية كبيرة مثل تحسين الأداء واتخاذ تدابير تصحيحية، وكذلك نتائج عملية مثل التغييرات المؤسسية والحوكمة والعلاقات التنظيمية والتي تم تحقيقها باعتماد المنهجية المنظمة لمبادرات المساءلة الاجتماعية خلال المراحل المختلفة.
إلا أن ذلك، لا يعني أن نرضى بواقع تطبيق معايير المساءلة الاجتماعية على هذا النحو. فالأمر يتطلب أكثر من ذلك، مع ضرورة تشكيل منتدى أو عنوان واسع؛ تتلاقى فيه معظم مؤسسات المجتمع المدني؛ لتتدارس وتتعاون من أجل خلق حالة متينة ودائمة تساهم في تطبيق مجمل مطالب هذه المساءلة، وتفعيل مضامينها بصورة مستمرة.
خلاصة القول: إن المساءلة الاجتماعية هي التي تدفعنا إلى العمل الطوعي والخيري والإنساني، وإلى أداء واجباتنا حين لا يوجد حسيب أو رقيب سوى ضمائرنا. هذه المساءلة هي التي تحركنا لأداء واجباتنا الوطنية والمجتمعية، لذلك غرسها وتعزيزها في المجتمع يصبح ذا أولوية قصوى وأهمية كبيرة لأنها تساعد في توجيه جهودنا وتوظيفها لخدمة المجتمع الذي أصيب بالانحراف الاداري والقيمي. .. إن تعزيز حس المساءلة الاجتماعية قضية مهمة للفرد وللمجتمع بأسره. فبدونها لا تنهض المجتمعات ولا تتقدم، وبدونها لا تستطيع الدولة توحيد جهود الأفراد ووضعها في مسارها الصحيح لخدمة أغراض التنمية الشاملة.

أضف تعليقاً المزيد