الزاوية الاقتصادية

رحلة خياط تربع على عرش تجارة الاقمشة .. نبيل سليم: الاتكالية من أهم أسباب الركود الاقتصادي

|
رحلة خياط تربع على عرش تجارة الاقمشة .. نبيل سليم: الاتكالية من أهم أسباب الركود الاقتصادي الزميل السويطي يتحدث مع نبيل سليم في مكتبه بنابلس

حاوره - رومل شحرور السويطي *:  كانت بدايته مع العمل منذ أن كان في الثامنة من عمره وتحديدا في العام 1971 في مشغل خياطة للمرحوم زاهي العقاد بمدينة نابلس، حيث كان يتدرب لديه خلال عطلته الصيفية، وتنقل بعد ذلك بين هذا المشغل وذاك، الى أن أصبح فيما بعد من أبرز رجال الأعمال في مجال الأقمشة بمدينة نابلس، ولا نبالغ اذا ما قلنا على مستوى الوطن.  "حياة وسوق" التقى رجل الاعمال نبيل خليل نديم اسليم "ابو غسان" 55 عاما من نابلس والذي بدأ حديثه باعتزازه بوالده الذي كان بائع خضار في البلدة القديمة من مدينة نابلس، ويقول انه لا يزال متأثرا بوالده رغم مرور ثلاثين عاما على وفاته، موضحا ان اعتزازه هذا، نابع مما لمسه من انسانية والده في التعامل مع الاخرين، وقال "والدي كان عظيما رغم بساطته ورغم انه غير متعلم ومن عائلة بسيطة جدا". أما عن والدته فقال "يكفي أن اقول لك أنني لم أقل لها طيلة حياتي وحتى يوم وفاتها قبل نحو عام كلمة لا " موضحا بأنه يربي أولاده على أن يقولوا كلمة "لا"، لكنه لم يتجرأ أن يقولها لوالدته نهائيا.

 

خياط ابن 8 سنوات                          

ويستذكر اسليم بداياته مع العمل، حين دخل مشغل المرحوم زاهي العقاد ليتدرب على مهنة الخياطة في العطلة الصيفية من العام 1971 وكان في الثامنة من عمره، ليتعلم بعض اساسيات المهنة، واستمر في التدريب كلما جاء موعد العطلة المدرسية الصيفية ومدتها ثلاث شهور، لكنه حين وصل الصف الثالث اعدادي خرج من المدرسة، وبدأ بمساعدة والده في العمل على عربة الخضار، وعن تلك المرحلة قال انه تعلم اصول التسويق من خلال التعامل مع زبائن العربة، وفي ذات الوقت انخرط في العمل بمجال الخياطة والنوفوتيه لدى المرحوم الحاج مروان الخليلي لمدة سنة، والذي كان له دور في صقل شخصيته ويتذكره دائما بكل خير.

ماكينة بـ 151 دينار

ويضيف بأنه كان دائم التطلع الى الافضل، فترك العمل لدى المرحوم مروان الخليلي وعمل لدى محل نوفوتيه آخر لمدة ستة شهور، ثم قرر في العام 1979 أن يعمل خياطا لصالحه الخاص. ويشتري ماكينة خياطة من نوع "برذرز" بسعر 151 دينارا أردنيا، ويعمل عليها في أحد مشاغل نابلس لمدة ثمانية شهور، حيث تعلم في تلك المرحلة على المزيد من أصول المهنة، لكن دون أن يسمح له صاحب المشغل بتعلم ما يرغب به وبالشكل المطلوب، فانتقل للعمل لدى الشيخ يوسف الباشا الذي كان سخيا معه في التعليم والتدريب. وبعد ثمانية شهور تقريبا وتحديدا في نهاية العام 1980 انتقل الى مرحلة جديدة من حياته العملية، حيث أنشأ مع طاقته الهائلة للعمل وخبرته المتواضعة، أنشأ في منطقة راس العين مشغلا للخياطة وكان عمره لا يتجاوز السابعة عشر، وبدأ يتعامل مع مشاغل خياطة في الداخل الفلسطيني المحتل لمدة أربع سنوات، مما أكسبه المزيد من الخبرة.

حلم لم يتحقق ..

 

وبما أن اسليم كان يحلم أن يكون مصمم أزياء، وتوفرت له الفرصة لدراسة ذلك في فرنسا، قام ببيع ماكيناته، واستعد للسفر، لكن المفاجأة كانت في معارضة والدته الشديدة للسفر، وبما أنه لم يقل يوما "لا" لوالدته، فقد قرر الاستجابة لرغبتها، ومكث دون عمل حوالي نصف عام حزنا وكمدا على حرمانه من تحقيق حلمه، حتى نفذت مدخراته، مما اضطره للعمل في احدى مؤسسات الألبسة بنابلس، وكانت تلك المرحلة انطلاقة جديدة في حياته العملية، حيث اتفق مع صاحب تلك المؤسسة التي تستخدم ماكينات من نوع جديد على المشاغل، على احضار اشخاص ليس لديهم خبرة في الخياطة، حتى لا يتشتت تفكيرهم بين أنواع الماكينات، وقام بتعليمهم على تلك الماكينات، وتمكن من انشاء خط انتاج يسمى "تجزيء المجزء"، وبقي من أواخر العام 1984 ولغاية 1989 على هذا النحو، حيث تمكن بأرباح تلك المرحلة من بناء منزل خاص به والزواج، لكنه وبعد حوالي اسبوع من زواجه تعرض للاعتقال على ايدي سلطات الاحتلال، ليقضي خمسة عشر شهرا في سجون الاحتلال، وبعد الإفراج عنه، عاد لذات المؤسسة لمدة ثمانية شهور تقريبا، وكان يبحث عن بديل آخر رغم أن دخله كان ممتازا، لكنه يطمح لما هو أفضل. فبدأ بشراء الكنبايات التي يصنعها عدد من أشقائه ويبيعها في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 وبقي كذلك حتى العام 1993 حيث قرر توسيع العمل، وبدأ بالانخراط في تجارة الأقمشة بين الداخل المحتل ونابلس وبعض مدن الضفة، ليزداد خبرة في كيفية التعاطي الجيد مع هذا النوع من التجارة وربطها بمهنة الخياطة.

شركات اسرائيلية تآمرت عليه .. لكن

وكان له ما أراد بعد حوالي عام، حيث انشأ شركة الطليعة في العام 1994 ليدخل في منافسة شرسة مع كبريات الشركات الاسرائيلية، الى الحد الذي جعل هذه الشركات تتفق فيما بينها على عدم التعامل معه. وكان هذا الاتفاق "الاسرائيلي" على اسليم نقلة نوعية، حيث تمكن من إيجاد آلية لاستيراد ما يريد من الولايات المتحدة الامريكية، ونجح في ذلك أيما نجاح، ويقول عن تلك المرحلة أنها كانت بداية التحرر من الاقتصاد الاسرائيلي في مجال الاقمشة، واستمر كذلك، حتى العام 1996 حيث بدأ يستورد من تركيا واسبانيا، وقام بالشراكة مع اشقائه بتأسيس شركة "سليمكو" وفي ذات الوقت نجح في إنشاء شركة في الداخل المحتل لتسويق منتجات "سليمكو"، وفي العام 1997 أنشأ فرعا جديدا في البيرة وفي ذات العام فرع آخر في جنين.

"الاتكالية" من أسباب الركود

وحول أسباب الركود الاقتصادي الذي تعاني منه المناطق الفلسطينية بشكل عام، أعرب اسليم عن اعتقاده أن صفة الإتكالية غزت قلوب رجال الاعمال والمواطنين على حد سواء، كما أن الجهات ذات العلاقة عملت كل شيء لتحسين الوضع العام من كافة الجوانب، باستثناء أهم وأخطر جانب وهو العمل على بناء الانسان الذي يعرف معنى الانتماء والبناء، ولم تتنبه لوجود آلة اعلامية اسرائيلية تعمل ليل نهار على مسخ شخصية الشباب الفلسطيني.

وقال اننا اعتمدنا على ميزانية السلطة الوطنية ولم نعتمد على الاقتصاد، وغفلنا عن بناء اقتصاد وطني قادر على الصمود ومواجهة التحديات مثل الاستيراد والمعوقات الاسرائيلية والتطور العالمي الذي لم نلحق به بالشكل الصحيح، وقال "الاقتصاد الناجح لا يعتمد على موازنة السلطة".

وفيما يتعلق بالانتقادات الموجهة للبنوك وتسببها بتردي الحالة الاقتصادية، قال بأنه لو كان اللجوء الى البنوك وخاصة في بدايات العام 2006 مجرد حركة "تكتيكية" لإنعاش الاقتصاد الوطني وتدوير رأس المال الفلسطيني من خلال التشجيع على الاستيراد وبالتمويل من البنوك لكان الوضع مقبولا، لكن ما حصل لاحقا ان هذه الحركة تحولت الى حركة "استراتيجية منهجية" واستمرت على هذا النحو بكل أسف.

وقف النزيف

وأشار الى أنه يمكن وقف النزيف والتعافي، من خلال تشجيع الصناعات المحلية، وخاصة المتوسطة منها، مثل قطاع الألبسة والأحذية والمفروشات والمواد الغذائية، منوها الى أن هذه القطاعات تشكل نسبة عالية من الاستهلاك الفلسطيني للفرد، كما شدد على ضرورة تشجيع ذلك من خلال انشاء دار أزياء فلسطينية كبرى وعمل شراكة مع مصانع متطورة من خلال الشراكة في الانتاج واستهداف الاسواق المحيطة بنا لسهولة التواصل معها. ودعا الى تشجيع السياحة الداخلية وتطويرها.

وشدد على ضرورة الاهتمام بالبرمجيات وعمل تواصل مع الشركات المختصة وعمل معارض متنقلة باشراف الحكومة، والاهتمام بالزراعة وعمل معرض دولي دائم للمنتجات الفلسطينية وربطه بالسياحة الداخلية من خلال التنسيق مع الغرف التجارية وملتقى رجال الاعمال ووزارة الاقتصاد وكافة الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة. كما دعا الى الاستثمار في التعليم من خلال تعديل منهاج التعليم الفلسطيني، موضحا ان وزير التربية صبري صيدم يقوم بخطوات في هذا الجانب، لكن وحتى يًكتب النجاح لهذه الخطوات، ينبغي أن تكون بالشراكة مع الغرف التجارية وملتقيات رجال الاعمال والقطاع الخاص من التجار حتى يتم التعليم والتخصصات حسب احتياجات المجتمع.

مبادرة اسليم الاقتصادية 2017

وحول المبادرة التي أطلقها العام الماضي 2017 خلال فعاليات "وفاء لمن علمني حروف الابداع" والتي تنظمها كل عام شركة ديارنا لإدارة الحدث في نابلس، والخاصة بتكريم المعلمين المتقاعدين،  أوضح اسليم أن مباردته تحمل فكرة زيادة طاقة الشباب الحرفية من خلال توجيههم للعمل الحرفي بالتوازي مع التعليم لتصل بالنتيجة لخريج جامعي يحمل حرفة ولديه خبرة بسوق العمل وذلك لتمكينهم من ايجاد عمل مرتبط بشهادتهم أو لفتح المجال لتنفيذ مشاريع. وقال أن التعليم الاكاديمي بدون عمل يشبه الكتب المرصوصة على رفوف لا يعلم محتواها الا مؤلفيها كما ان العمل بدون علم متاهة فكلاهما يكمل الاخر ومن هنا يجب ان يكون العلم بالتوازي مع العمل ضاربا مثالات على ذلك الخياطة. ودعا الابناء الى البدء بالعمل مبكرا في المراحل الدراسية من سن السادية عشرة مشجعا الطلبة الى التوجه للتعليم المهني لانه يساعد ويسهل الانخراط بالعمل حسب احتياجات السوق. كما يجب الاعتماد على انفسهم وتخفيف العبء عن اهاليهم، معربا عن استغرابه من تخريج طلاب جامعيين وايديهم وجيوبهم فارغة وعقولهم مكتسبة بمعلومات لا يعرف كيف يستخدمونها في الواقع العملي. مشددا على انه بالعمل والعلم نستطيع ان نجعل مجتمعنا منتجا ومواكبا للتطور. 

* هذا اللقاء لصالح ملحق حياة وسوق/ جريدة الحياة الجديدة

 

أضف تعليقاً المزيد