تقارير وتحقيقات

تكية نابلس.. أياد ممدودة بالإحسان

|
تكية نابلس.. أياد ممدودة بالإحسان

كتب - عاطف دغلس*   كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر ذروة العمل، وعلى برَّاق شقير (38 عاما) أن ينجز مهمة بدأها قبل خمس ساعات بالشكل المطلوب، لا سيما وأن الوقت بدأ ينفد مما يضطره لمضاعفة الجهد.

تضم تكية نابلس الخيرية التابعة للجنة الزكاة المركزية بالمدينة شمال الضفة الغربية عددا من المتطوعين من الذكور والإناث، الذين تتوزع وظائفهم بين التعبئة والتغليف، وأخرى تختص بتوصيل الطعام للفقراء والمحتاجين.

بين كفيه وبقفازات من القماش المقاوم للحرارة، يقف الشاب برَّاق ممسكا أطباق الدجاج الكبيرة -وهي الوظيفة التي أوكلت إليه- ليضعها داخل فرن النار لتنضج، يدخل واحدة ويخرج أخرى، فالشاب تمرَّس على دوره جيدا منذ أن أتى متطوعا للتكية في الأيام الأولى لتأسيسها قبل ست سنوات.

 منسق عمل تكية نابلس محمد عودة 

 
 
تحرّي الفقراء
وفي ذلك الحين، لم تكن تجربة الشاب برَّاق هي الأولى في عمل الخير والتطوع الذي اعتاده قبل ثمانية عشر عاما بتفقد أهالي حيه بمنطقة الجبل الشمالي بمدينة نابلس، وقضاء حوائجهم بما تيسَّر من خير جرى بين يديه، ليجد أن ذلك الأجر سيكون "أوسع وأكثر نفعا"، يقول برَّاق والعرق يتصبَّب من جبينه بفعل حرارة المكان والجو أيضا. 


بتول تفاحة وخلية من المتطوعين
 
لا يقتصر تطوع الشاب برَّاق على العمل داخل التكية في شهر رمضان فحسب، بل يتطوع يومين كل شهر للغرض ذاته، وهو يبحث عن الفقراء بعيدا التكية، لينقل صورة ذلك للمسؤولين فيها وغيرهم من أهل الخير، ولديه مهمة أخرى أيضا تتمثل في سعيه لإقناع أصدقائه بالتطوع داخل التكية لتنمية الفكرة عندهم للالتحاق بها أو بغيرها، وليس ذلك بالطبع على حساب عمله موظفا حكوميا.

في هذه الأيام يقصد أهالي نابلس تكيتهم لا بغرض التطوع فحسب، بل يأتيها المحسنون ليقدموا تبرعاتهم العينية والمادية، لتعم أوجه الخير وتتوزع داخل المدينة وخارجها بين القرى والمخيمات بما يصل لألفي وجبة يوميا خلال الشهر الفضل.

ومثل برَّاق انضمت بتول تفاحة (22 عاما) للتطوع داخل التكية ابتغاء مرضاة الله عبر مساعدة الفقراء والمعوزين شأنها في ذلك شأن "خلية النحل" من المتطوعين زملائها الذين عرف كل منهم مهمته جيدا.
 
دعوة الآخرين
بتول الحديثة التخرج تتطوع داخل التكية لأول مرة في هذا الشهر الفضيل، وتقول إنها سمعت بذلك من صديقتها ولبّت الدعوة على الفور، وتضيف أنها تأتي قرابة الحادية عشر صباحا وتبقى حتى الثالثة بعد الظهر داخل التكية، ثم تنتقل بعد ذلك لتوزيع الوجبات على الأسر المحتاجة بأماكن سكناها.

ولم يكن ما روته بتول للجزيرة نت مستغربا، فمن يحتمل ضغط العمل وحرارة الجو وتلك المتولدة بفعل عملية الطهو، يدرك حقيقة ما تقول والبحث عن كسب الأجر من الله وذلك الشعور بالسعادة التي تغمرها وهي تتطوع "لعمل الخير".

لهذا لم توقف بتول قضية التطوع عندها، بل استطاعت جلب طفلين من أقاربها هما سامح ومصعب للعمل لجانبها، فأوكلت لهما مهمة ترتيب قطع الدجاج داخل الأطباق ورش التوابل عليها.

وتقول بتول إنها تسعى عبر الدعوات المباشرة لصديقاتها، وكذلك بما تنشره على صفحتها في فيسبوك لجمع متطوعين أكثر وتحفيزهم على الانخراط معها أو بذل الخير بأي وجهة يريدون "فالأهم أن تبقى شعله العطاء متقدة".
 
تطوع جماعي
والتطوع داخل التكية ليس أمرا فرديا، بل جماعيا أيضا، إذ يأتيها المتطوعون عبر مؤسسات أهلية وخيرية في المدينة، ويؤكد منسق عمل التكية محمد عودة أن هذا يُعزز روح التواصل والتعاون بين المتطوعين أنفسهم ومع الأسر المستورة، كما أن فكرة قبول الأطفال والشباب للتطوع في التكية مبنية على "تنمية روح البذل والعطاء".

وتقتصر مهمة المتطوعين -حسب عودة- على توضيب الوجبات بشكل جيد وتوزيعها، وتتم مراعاة ظروف النظافة، سواء بإعداد المتطوعين والعاملين باللباس المطلوب، أو باختيار أجود أنواع المواد العينية واختيار طاقم متخصص يقوم بعملية الطبخ.

*  مراسل الجزيرة / نابلس
 

 

أضف تعليقاً المزيد