فسحة للرأي

ابو السكر ورمضان ؟!

وليد الهودلي |
ابو السكر ورمضان ؟!

 كتب - وليد الهودلي:  من هو ابو السكر بداية؟ هو أحمد جبارة من بلدة ترمسعيا، اعتقل على خلفية عملية فدائية نوعية هزت الكيان الصهيوني في سبعينات القرن الماضي ، حكم بالمؤبد ، كان قامة شامخة كالجبال الراسية وكان عنوانا للصبر والثبات ومقارعة السجان ، كانت قصة هذا الشيخ اول ما تطرق قلب كل معتقل جديد يدخل سجن جنيد : " اتدري من يكون هذا الرجل ؟ انه ابو السكر ؟ اتعرف من يكون ابو السكر ؟ وترتفع معنويات المعتقل الجديد وتحلق عاليا وهو يقارن بين حبسته التي تبدو قصيرة وسريعة اذا قورنت بحبسة ابو السكر ، واين ما قدم مما قدم هذا العملاق ؟

ابو السكر كان مدرسة ثورية بامتياز ، يكفيك منه ان تسمع سيرته الجهادية ، ثم ماذا اذا أضفت مواقفه التي تقرأ فيها صدق انتمائه والروح العالية التي لم تتراجع جذوتها قيد أنملة على كر سنين السجن القاسية ، سبع وعشرين سنة وهو يقوم بذات الدور المولد للروح العالية عند كل معتقل جديد لا يكل ولا يمل من طرح الرؤيا القوية والنفس العالي ، يشعر المعتقل الجديد انه امام جيش ثوري جهادي يتكلم من عصر الرجولة والمقاومة ، لا يحب ان يتحدث عن تجربته الخاصة واعماله البطولية وانما يتكلم عن ثورة وعن حالة ثورية قادرة على مقارعة المحتل وايلامه وفتح ثقوب مؤلمة في جداره الاسود .
وكانت روحه الثورية العالية تملأ السجن ، تجده في مقدمة الصفوف عند اية مواجهة ، لم يترك اضرابا مفتوحا عن الطعام الا ودفع ارطالا من لحم جسمه ، ثم تجده أسدا هصورا في ساحة الرياضة ليشكل فيها قدوة للشباب ، كان اول الراكضين ، يراهن الشباب ليكمل الساعة ركضا فيتصبب عرقا ولا يتراجع عن الشباب لحظة .
كان يختم القران في السجن 30 مرة في رمضان .. كل يوم مرة ، هكذا يحب ان يكون دوما في المقدمة ، مثالا يبدد العجز والكسل ، لا يريد للاسرى ان يقضوا الشهر الفضيل نائمين ، يريد لهم ان ينهلوا من القران في عملية ترقية وتزكية لنفوسهم ، ولا يمارس التوجيه بالوعظ والارشاد وانما بالقدوة والعمل ، كان هناك من يختم القران في الشهر مرة وهناك في الشهر مرتين وكان صاحب الهمة الاعلى من يختم كل ثلاثة ايام ، جاء ابو السكر كعادته التي تأبى عليه الا ان يكون في المقدمة ليختم كل يوم ختمة ، وعلى سنوات طويلة ارسى في قلبه هذه العادة العظيمة ، له مع القران في رمضان ثلاثين ختمة . وكان في غير رمضان يعود من ساعة الرياضة ليصلي الضحى ثمانية ركعات مع قراءة جزء من القران .
كان قرآنيا بامتياز ولم يكن هذا مجرد حروف وكلمات على اللسان وانما كانت صبغة قرانية شاملة تنعكس على دماثة أخلاقه وتواضعه الجم وخفض جناحه لاخوانه الاسرى واستعداده الدائم للعطاء والتضحية .
أطلق سراحه بعد سبع وعشرين سنة من المرابطة في هذا الخندق المتقدم على تخوم عدو يشحذ في وجوههم كل اسلحة الحقد ويتفنن في كيل أعتى صنوف القهر ، وكانت له جولات ميدانية متواصلة ، مع القران بين سوره واياته ومع الاسرى داخل السجن ومع اهاليهم بعد الافراج عنه في مسح الالمهم وتضميد جراحهم . وقد كانت له نهاية جميلة حيث توفي
في رمضان بعد زيارة تفقدية لاهالي الاسرى مضمدا جراح الذكريات التي تنزف في هذا الشهر الفضيل .. لم يحتمل قلبه الكبير رؤية هذه الجراح التي اثارت له جراح 27 رمضان قضاها في السجن ... عاد من مدينة نابلس مرهقا وكأن قلبه الكبير قد ناء بما تنوء عن حمله الجبال ، تاق الى الرفيق الاعلى ومغادرة هذه الدنيا التي قسى ظلامها بهذا الشكل المريع على الطيبين من اهلها ، رفرفت روحه عاليا ليلقى الاحبة من سبقوه هناك .. لفظ انفاسه الاخيرة في رمضان الشهر الذي احبه ويحبه ، الشهر الذي ياتيه عند ربه محملا بثلاثين ختمة للقران .

أضف تعليقاً المزيد