فسحة للرأي

شراكه من اجل وطن للجميع

السفير حكمت عجوري |
شراكه من اجل وطن للجميع

 كتب - السفير حكمت عجوري:  نظرية التراكم الكمي المؤدي الى تغير نوعي لا تعني بالضرورة الجودة في النوع كما يفهم من هذه النظرية فالنوع هنا يعتمد على طبيعة مادة هذا الكم المتراكم. واعتمادا على صحة هذه النظرية في المجالات المادية ارى انها تنطبق كذلك على الكيمياء البشرية وبالخصوص في مجال توأم الفساد والمسؤولية غير المسؤولة، فعلى سبيل المثال فان التراكم الكمي للفساد سيفضي بالنهايه الى فساد من نوع متميز يقف العقل امامه مذهولا كون ان الكل يتوجع من وطأة هذا الفساد والكل يراه ويتلمسه وبالرغم من ذلك وبدلا من اجتثاثه نراه يستشري يوما بعد اخر، والحال كذلك في تراكم ادوات احتكار كرسي المسؤولية بمواقعها المختلفة سواء في السياسة ام في الدين ام في التنفيذ والتشريع وذلك من اجل الانتفاع والاستمتاع بما يمنحه الكرسي لصاحبه من امتيازات وبالخصوص في ظل غياب المحاسبة، بحيث يصبح الخداع والكذب غذاء روح الخطاب او الرواية للمسؤول تصل الى حد غسل دماغ المتلقي او اجباره على الاستسلام او الاستكانة بعد ثورة وهيجان لنصل في النهاية الى حالة من الخنوع تحت شعار انهزامي اخر وهو ان ليس بالامكان افضل مما كان.

اعتقد ان النتيجة الحتمية لهذا الجانب السلبي من التراكم هو قتل الابداع وروح المبادرة لدى افراد المجتمع التي نحن احوج ما نكون اليها كفلسطينيين وبالتالي يتحول المجتمع الى مجتمع اتكالي،  وفي افضل الاحيان القدرة على صناعة رد الفعل فقط وليس الفعل او المبادرة وفي كافة مجالات الحياة بما فيها السياسة ومشتقاتها.
طبعا الشواهد المؤلمة في هذا السياق كثيرة وتعدادها غير مجدٍ، ولكن نذكر بعضها على سبيل المثال كضرورة لخدمة القصد من هذا المقال والذي لا نقصد من وراءه الترويج للسلبية بقدر ما هو التحفيز للابداع في البحث عن بدائل ايجابية لسلبية الوضع الذي اصبحنا فيه نبحث عن شماعة نعلق عليها اسباب هذه السلبية التي هي في كثير من الاحيان من انتاجنا وصناعتنا بقصد او غيره، وذلك بدلا من ان نوظف كل الممكن من اجل معالجة هذه الاسباب.
الانتفاضة الثانية التي انفجرت شعبيا كثورة من اجل التغيير للافضل والتي استمرت سنين وبالرغم من تكلفتها البشرية والمادية اصبحنا الان نطالب بل ونتمنى ان يعود بنا الامر الى ما كان عليه الوضع قبل اندلاع هذه الانتفاضة.
الانقسام الذي هو حديثنا وهمنا اليومي وهو الناتج عن انقلاب على الوضع السائد في حينه من اجل الافضل بشريعة الانقلابيين هو ايضا وبكل ما تسبب فيه من خسائر سياسية ومادية واجتماعية وبشرية وما ترتب عليه من اجتياحات اسرائيلية عسكرية تدميرية على مدار 11 سنة هو وعلى الرغم من كل الدعم الخارجي له الا انه يبقى صناعة فلسطينية.
هذا الانقسام تزعم بعض وسائل الاعلام انه اوشك على نهايته نتيجة لتدخلات قوى دولية بما فيها الشقيقة مصر والامم المتحدة وروسيا واميركا وحتى اسرائيل القوة القائمة بالاحتلال على امل ان تعود الامور الى ما كانت عليه قبل الانقلاب.
هذا هو التراكم السلبي الذي اشرت اليه ونتائجه الكارثية التي تستدعي الوقوف والتأمل واستخلاص العبر ان كنا فعلا بصدد الوصول الى نتائج ايجابية حيث كان من الافضل توظيف هذه القوى الدولية لتعمل من اجل انهاء الاحتلال وليس انهاء الانقسام الذي لا مبرر اخلاقي او وطني لحدوثه اصلا والذي يعتبر نقطه سوداء في ملف النضال الفلسطيني فالانقسام اضافة الى نتائجه الكارثية المحفورة في الذاكرة البشرية وعلى الارض الغزية تسبب ايضا في وقف 11 سنه كانت من الممكن ان تكون سنوات تنمية وما آلت اليه خصوصا واننا اصبحنا كما اسلفت نتوق الى ان تعود بنا الامور الى ما كانت عليه قبل اندلاعها علما بانها لو استمرت دون عسكرة لكانت حققت التغيير للافضل.
قد يفهم من هذ الحوار من قبل من لا يريد الاستفادة من دروس الماضي على انه جلد للذات علما بانني اقر في ان كل ما حصل كان نتيجة لاجتهادات ولكن للاسف كانت غير صائبة كنتيجة متوقعة كون العقل البشري خطاء وبالتالي فان ابسط الامور الحسابية تستدعي ان كان التغيير للافضل هو فعلا هدفنا فلا بد من البحث عن الجديد في ظل صعوبة تطوير القديم كوسائل او ادوات تغيير بعد هذا الفشل في الادوات القديمة ومن حيث ان باطن الارض الفلسطينية لم ينتج غير الانسان كثروة طبيعية وبشرية لا بد من الاستثمار بكل ما هو ممكن في هذه الثروه.
الامر الذي يستدعي اطلاق العنان للعقل الفلسطيني المبدع بفتح المجال للجديد من الطاقات وخصوصا الشابة وليس الحَجر عليها تحت ذرائع ومسميات مختلفة خصوصا وان هذه الطاقات اثبتت قدرة على فرض التغيير الايجابي ولنا في عهد التميمي خير مثال اعاد لقضية الشعب الفلسطيني بريقا كاد ان يخفت بفعل تراكم غبار الماضي وامجاد السيف والخيل التي اصبحت حبيسة الاسطبلات والذي ان استمر هذا الغبار في التراكم سيتحول الى جدران اسمنتيه تقف حائلا امام كل جديد وامام كل مبادر او مبدع.
ذكرت في مقال اخر ان الاعتراف بالخطأ فضيله ولكن الفضيله الحقه لا تكمن في الاعتراف به فقط وانما في اصلاح هذا الخطأ حتى لا يصبح خطيئه . خصوصا ونحن بصدد ما يقال بانها خطه سنغافورية غزه المغلفه بانهاء الانقسام والذي هو دون شك مطلب وطني ومع ذلك فان هذه الخطه والذي يبدو انها في طريقها الى التنفيذ هي بالاساس حلم صهيوني في اخراج غزه من الجغرافيه السياسيه لفلسطين التاريخيه ما بين النهر والبحر واقامة دولة غزه باغراءات ماليه وهذه اساسا لب ما يسمي بصفقة القرن خصوصا وان المشروعين انتاج وصناعه صهيونيه بامتياز من اجل منع قيام دوله اخرى غير اسرائيل في الجغرافيه المذكوره على امل ان تكون هذه السنغافوريه نهاية لمسيرة اوسلو بنسختها الليكوديه .
ختاما اعتقد ان كل ذلك يستدعي وبالحاح وطني احداث تغيير جذري في طبيعة التراكمات التي حصلت والتي كان لاسرائيل دورا في تحديد موادها و سقفها وذلك بالشروع بوضع اسس وطنيه فلسطينيه جديده نحو شراكه حقيقيه للكل الفلسطيني من اجل بناء وطن للجميع وليس لفصيل على ان لا يكون للاقصاء في هذه الشراكه اي مكان الا لاصحاب المصالح بالوانهم المختلفه الذين اصبحو يبدعون في القول وفي الفعل من اجل ان تبقى الامور على ما هي عليه حيث لا مكان لهم في هذه الشراكه.

أضف تعليقاً المزيد