تقارير وتحقيقات

خالد منصور "هتّاف" يؤرخ للقضية الفلسطينية

|
خالد منصور "هتّاف" يؤرخ للقضية الفلسطينية

 كتب - عاطف دغلس *  هي قصاصات من الورق منثورة فوق سطح مكتبه، تحمل بين طياتها نثرا وشعرا وكلاما عاما يصلح لأن يكون "هتافا" حماسيا، يضبطها صاحبها خالد منصور على شكل دفاتر صغيرة ويعنونها حسب موضوعها.

يجمع منصور (ستون عاما) هتافاته واحدة تلو أخرى ليصدح بها لسانه ويلهب الشارع غضبا ورفضا للاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، أو يناصر عبرها قضايا حقوقية وإنسانية تشغل بال قاعدته الجماهيرية.

كان أول هتاف له عام 1966، حينها اصطف والصبية بمخيم الفارعة قرب مدينة نابلس بالضفة الغربية، حيث ينحدر منصور ليُحيُّوا و"بأوامر عليا" زعيما جعل خط سيره يمر من أمام مخيمهم.
لكنه لم ينزل عند رغبة آمريه فصرخ قائلا "يعيش أحمد الشقيري" رئيس منظمة التحرير آنذاك، فرد الأطفال وبأصوات حانية "يعيش يعيش يعيش"، ليقع منصور بقبضة العسكر، وينال حظه من الضرب "بالخيزرانة".

تلك الضربات زادته عنادا وقوَّته، فانتفض ضد الاحتلال مستغلا دراسته الثانوية بنابلس التي تزامنت مع هبة منتصف السبعينيات واستشهاد لينا النابلسي، وأخذ وزملاؤه يجوبون شوارع المدينة "محرضين ومعبئين" الجماهير.
 
 
من المخيم
حينها قرر منصور القادم من بيئة المخيم المتمرد على الاحتلال وظلمه أن يعوِّض غياب أحد رفاقه "الهتيفين" عن إحدى المظاهرات، فصدح بقصيدة للشاعر الفلسطيني معين بسيسو حفظها سلفا "نعم قد نموت ولكننا سنقتلع الموت من أرضنا".
توالت "انتفاضات" الرجل، لا سيما انتفاضة الحجارة عام 1987، وشكَّلت مشاركاته علامة فارقة في تحريض الجماهير واستنهاضها، فأحدث بصوته الهادر وقعا على الاحتلال، فاعتقل واستدعي للتحقيق عشرات المرات، وغُرِّم ماليا، وكان طوله الفارع (187 سنتيمترا) شارة لاستهدافه.

لطالما شكَّل الهتاف وقود ثورات الفلسطينيين في أزمنتها ومراحلها التي لم تنته بعدُ، وانتقل من كونه ترجمة عملية لخطابات السياسيين لأداة تواصل مع الجماهير بهدف تحريكها واستثارة هممها.

يحمل منصور القادم من بيئة سياسية أسدلت رسائل نضالها عبر شعارات "حماسية" خُطت فوق جدران المنازل في حارات المخيم وأزقته- شعار الوحدة "لتجييش" الميدان، فبات وهتافه محل إجماع من الجماهير والفصائل الوطنية.

هو لا يعد نفسه مشاركا، بل يُنظِّم المظاهرات، ويرسم أهدافا ويحولها للمواجهة المباشرة والاحتكاك مع الاحتلال، مما جعله هدفا لبنادق الجنود ورصاصهم الذي نال من جسده أكثر من 15 مرة.

أغرقه الجنود أيضا بغاز "الفلفل السام"، كأنهم أرادوا فعلا إسكاته ولجم حسه، فرد بالمزيد من الحشد والتظاهر وصرخ في وجوههم "لو رحل صوتي ما ترحل حناجركم".

خارج الصوت
وتجاوزت انتفاضته حدود صوته، فجاب شوارع الضفة بمدنها وقراها ومخيماتها يدعو لمقاطعة بضائع الاحتلال، وانخرط في حملات لمساعدة المزارعين بقطف زيتونهم والوصول لأراضيهم التي يهددها الاستيطان، مستغلا عمله منسقا للعمل الجماهيري في جمعية الإغاثة الزراعية.

ويقول منصور "إن غبت بشخصي تحضر شعاراتي بقوة"، ولا يبخل بها على أحد يطلبها من شتى المناطق الفلسطينية، لا سيما أنه ليس بمقدوره التظاهر في كل مكان.
تزخر ذاكرة منصور بجل الأحداث الفلسطينية، ويؤلف هتافاته بما يتناسب معها، ويستلهم كلماتها من وحيها، ويصف دوره بأنه "وحدوي"، وأن همَّه الوطن من شماله لجنوبه مرورا "بأم الزينات" قريته التي هجَّره الاحتلال منها عام 1948.

كل صباح يتفقد ما بحوزته من قصاصات خط عليها شعاراته الهتافية، فبالكاد يخلُ يوم دون فعالية أو مظاهرة لا يكون فيها، وحال عودته مساء لمنزله يسارع لتفريغ هتافاته على حاسوبه الخاص ليسهل عليه جمعها وحفظها.

ضد الظلم
هو أيضا يحاول إسقاط شعاراته على لوحات تشكيلية (رسومات كاريكاتورية) ينتقيها وينقحها بنفسه ليقربها من الجماهير ويزيدهم حماسا، كما يُلقي بهتافاته "المحرضة" على صفحات فيسبوك الذي بات وسيلته لبلوغ صدى صوته كل مكان.

يرفض منصور أن تسمى المقاومة "سلمية"، ويُصِّر على أنها "شعبية" تتطور وتتغير بالشكل الذي يردع الاحتلال ويحد غطرسته، ولم يمنعه مانع ذات مرة حين تظاهر وحده عندما غاب المشاركون.

بهتافه "يا رئيس فلسطين.. إحنا معاك مختلفين، إحنا ضد العقوبات ع غزة يا زعامات" يرفض "أبو ساري" -كما يكنى- سياسات القيادة والحكومة الفلسطينية التي تتعارض ومصالح الشعب وليس الاحتلال وحده، كأنه يسقط واقعا قول مظفر النواب "أنا في صف الجوع الكافر ما دام الصف الآخر يسجد من ثقل الأوزار".

علم فلسطين وكوفيتها ودفاتر الهتاف هي سلاح منصور كلما همَّ للتظاهر، يخطو وأمله أن تصير شعاراته يوما إلى ما يريد، ويجمعها في كتاب أسماه سلفا "هتاف المقاومة" لتظل "جذوته" متقدة.

* مراسل الجزيرة نت/  نابلس
 

أضف تعليقاً المزيد