تقارير وتحقيقات

المطابخ البيتية.. هكذا تعيل الفلسطينيات أسرهن

|
المطابخ البيتية.. هكذا تعيل الفلسطينيات أسرهن

 اخباريات - عاطف دغلس *:  تعجنه جيدا وتبسطه بيديها ليغدو رغيفا كبيرا ثم تحشوه بالزعتر الأخضر أو الجبن البلدي أو بشيء من اللحم والخضار أو ما تقتضيه الحاجة، ثم تتراشق قطرات زيت الزيتون فوق الرغيف ليسهل على السيدة نهال بغدادي (أم أنس) طيه وفرده.

على هذه الحال أفنت السيدة بغدادي ثماني سنوات من عمرها الخمسيني بإعداد فطائر المعجنات والأطباق المنزلية، وتمضي بهمة عالية وإبداع وتميز بمنتجاتها لتحرز تقدما في "مشروع العمر" كما تصفه، وتطوّره للأفضل، متكئة على خبرة امتدت لنحو ثلاثة عقود قبل الزواج من العمل في تفصيل الملابس وحياكتها.

داخل مطبخ أم أنس الرئيسي، هناك مطبخ "مشروع" آخر يحمل اسمها ويحوي فرنا وأدوات بسيطة ومستلزمات العمل، وبشيء من الماء والطحين وإضافات قليلة من السكر والزيت تتحوّل "العجينة" بين يديها لأرغفة وفطائر متعددة الشكل والحجم، وهو عمل يقيها شر السؤال ويدفعها لمزيد من الأمل والإنجاز.
العمل فسحة أمل
وقبل البدء بهذا العمل، لم تكن حال أم أنس أفضل، فزوجها بالكاد يجد وظيفة رغم صنعاته الكثيرة (يتقن مهنا عدة)، كما دفعها التحاق أبنائها بالجامعات للبحث عن عمل بعد أن حظيت وبتشجيع من صديقاتها بصنع الفطائر.

مثل خلية نحل تنخرط أم أنس وعائلتها في العمل، ففي الثانية فجرا تستيقظ من نومها لتبدأ بتحضير المواد، وبعد ذلك بساعتين توقظ زوجها وأولادها لمساعدتها في إنجاز الكم المطلوب قبل شروق الشمس، فغالب الزبائن -وفق قولها- "من العمال وطلبة المدارس".

تتحدث أم أنس للجزيرة نت بينما تنشغل بخلط الطحين لتحضير وجبة جديدة من المعجنات، وتقول إن هذه مهمتها الأولى، فهي وبحكم امتلاكها لرخصة قيادة للمركبة توزّع المنتج على المحال التجارية، بينما يتولى زوجها إحضار المواد ولوازم العمل وخبز المعجنات وتغليفها، وهناك مهام أخرى تُناط بكل واحد من الأبناء.

نحو خمسمئة فطيرة من المعجنات تعدها السيدة يوميا تدرّ نحو ثمانمئة دولار شهريا، ساعدتها في تعليم أبنائها وشراء سيارة وسداد دفعات من ثمن البيت الذي ابتاعته قبل سنوات، وتقول "أنقذني العمل من وحل الضيق لفسحة الأمل والمثابرة".
ربات أسر ماهرات
بدا واضحا وهي تفرك الطحين بأصابعها أن شيئا من العجين علق بها، فالآلة التي تعينها على ذلك تعطّلت منذ عامين وصار البديل يديها، وهي تواظب على ذلك أملا في تحسن وضعها اقتصاديا وشراء آلة جديدة، لا سيما في ظل توسع نطاق عملها وتنوعه.

وإضافة للمعجنات، تُعد أم أنس أكلات شعبية وطبخات متعددة "بريحة زمان"، وفق وصفها، لتلبي حاجات زبائنها ورغباتهم، وتقول "أطبخ بنَفَس أمي وجدتي وعلى طريقتهما خاصة بلفّ ورق العنب وطبخ الكرشات والفوارغ (أمعاء الخاروف)"، وتبدع بعمل "المكبوس" والمخلل بكل أشكالهما.

مثل أم أنس تجد كثير من النساء ضالتهن في العمل المنزلي وصنع ما لذ وطاب داخل مطابخهن، ويعملن بهذه الطريقة لتوفير دخل يعلن به أنفسهن وأسرهن أو يكون مصدر رزق إضافي لهن.
نساء فلسطين والقوى العاملة
وتشير إحصائيات الجهاز المركزي الفلسطيني إلى أن النساء في فلسطين ترأس حوالي 11% من الأسر، بواقع 12% في الضفة الغربية و9% في غزة، وذلك بناء على بيانات القوى العاملة للعام 2018، كما بلغ معدل البطالة بين النساء المشاركات في القوى العاملة 51% مقابل 25% للذكور في العام ذاته.

وتذهب أمل ضراغمة المصري، وهي سيدة أعمال وناشطة اقتصادية فلسطينية، إلى أنه ورغم أهمية أعمال المرأة المنزلية التي تشكل بها نواة اقتصادية وتنموية، فإن هذه المشاركة لم تدخل حتى الآن في حسابات الناتج القومي أو الحسابات الرسمية كركيزة أساسية ببناء المجتمع.
تمكين المرأة الفلسطينية
وتقول المصري للجزيرة نت إن الإحصائيات السابقة تؤكد مسؤولية النساء عن دخل أسرهن، وأن المنتج المنزلي يساهم مباشرة في التخفيف من معاناة عوائلهن وصمودها، وتضيف "يعد ذلك تمكينا للمرأة الفلسطينية التي تعيل نحو ربع مجتمعها".

وتعزو المصري توجه النساء للعمل الحر داخل منازلهن دون الانخراط تحت سقف التعاونيات والجمعيات النسوية لعدم قدرتهن على التواصل مع هذه المؤسسات وبعد المسافة ومحدودية الحركة، إضافة للرسوم التي قد تفرض عليهن نتيجة لذلك، لكنها لم تستبعد أيضا "استغلال المؤسسات وابتزازها".

ولا تحظى المرأة الفلسطينية بنسب عالية من المشاركة في الحياة العامة لعدم تمكنها تعليميا أو اجتماعيا مقارنة بالذكور، ووفق المصري تحظى النساء ونتيجة "لمحدودية الموارد" بترحيب عائلي ومجتمعي بعملهن المنزلي لا سيما بظل فقر وبطالة تجاوزت حاجز 30% بالمجتمع الفلسطيني.

وبينما هممنا بمغادرة منزلها، انهمكت أم أنس أكثر في تصنيع معجنات إضافية لتلبية طلبات الزبائن الذين تسعى جاهدة للحفاظ عليهم ومضاعفة أعدادهم متخذةً من صفحة لها أنشأتها عبر فيسبوك وسيلة لترويج بضاعتها وسط سوق تتنافس فيه أعمال السيدات أمثالها وتتزاحم.
 
* مراسل الجزيرة نت
 

أضف تعليقاً المزيد