فسحة للرأي

حزب التحرير واعتبار رأيه حكم الشرع القطعي النهائي

سَري سمّور |
حزب التحرير واعتبار رأيه حكم الشرع القطعي النهائي

 كتب - سَري سمّور* 

(1)
حين بدأت كتابة سلسلة المقالات هذه؛ والتي هناك مساع لتتحول إلى كتاب مطبوع، وقد بدأت نشرها في تشرين ثاني/نوفمبر العام الماضي 2018 كان الهدف منها تبيان لماذا تعيش الساحة الفلسطينية حالة قطبية ثنائية(فتح-حماس) وأسباب فشل إيجاد تيار ثالث حقيقي منافس أو بديل، وأسباب وعوامل عجز الفصائل والحركات والأحزاب الأخرى الموجودة على الساحة عن منافستهما، أحدهما أو كلاهما، وقلت سلفا أن هذا غير ممكن في المدى القريب أو المتوسط بل لربما البعيد؛ أي قدمت النتيجة قبل التحليل والأسباب، التي بدأت بسردها منذ ذلك الحين على فترات.

(2)
في هذا السياق كان حديثي في المقالين السابقين، عن حزب التحرير؛ أي مناقشة أسباب عدم قدرة الحزب-مثلما ناقشت أوضاع غيره- على منافسة القطبين، بل للدقة أقول أبرز وأهم الأسباب من وجهة نظر العبد الفقير، فلعل هناك ما غاب عني، ولعل هناك ما ظننته غير مهم وهو بعكس ظني.

أي أنني لا أقوم ببحث عن كل ما يتعلق بأي حزب أو فصيل أو حركة أو جسم سياسي، إلا بما يخدم الهدف المذكور؛ فإذا أردت البحث عن وحول أي حركة أو حزب فإنك تحتاج إلى مجلد كامل بلا مبالغة، وهذا حاليا ليس من شأني؛ وحين أتحدث عن أفكار أو مواقف أي حزب فإن هذا فقط يأتي في إطار التعريف العام المجمل، يضاف إليه خدمة الهدف من هذه المراقيم.

فمن أراد التعرف على حزب أو حركة أكثر فإن ثمة مراجع وكتب ونشرات كثيرة، ومواقع إلكترونية وصفحات على مواقع التواصل، إضافة إلى إمكانية التواصل المباشر مع كوادرها وعناصرها ومثقفيها المنتشرين،  فمن أراد التوسع والشرح المفصل فليطرق تلك الأبواب، ولن يجد ضالته عندي حاليا، اللهم إلا إذا كان راغبا في الاختصار والإجمال والمعرفة العامة...وأحسب أنني قدمت صورة مجملة على درجة لا بأس بها من الوضوح عن كل جسم سياسي تناولته من زاوية الموضوع محل النقاش، وهذا ينطبق على حزب التحرير وعلى ما سبقه وسيليه بمشيئة الله من حركات وأحزاب وفصائل.

(3)
سبب التوضيح السابق هو أن حزب التحرير مجددا قد نشر على موقعه الإلكتروني وبعض صفحات التواصل في 13/7/2019 ردا بعنوان (إضاءات حول نقاط أثيرت عن حزب التحرير) بقلم نفس الناطق الذي نشر الرد الأول(د.إبراهيم التميمي) ومن فحوى الرد الثاني-وحتى الأول- تستنتج أن الحزب يريدك أن تتناول أفكار وأطروحات الحزب بسرد تفصيلي، أو أن تفسر الظواهر المختلفة لمواقف الحزب كما يرى الحزب، وهذا  لعمري ليس منطقيا؛ فالحزب من حقه شرح  المواقف والأفكار والنظريات الخاصة به، ولكن ليس من حقه –وهذه من عيوب الحزب بالمناسبة- أن يجبر الناس على أن يروا الأمور كما يراها وأن ينظروا بعيونه إلى السياسة والقضايا الشرعية؛ ولو كان الإدعاء القديم-الجديد الذي يتسلح به الحزب، أن هذه رؤية الشرع ورأي الإسلام وهي مواقف منبثقة من عقيدة الأمة، وتلك مشكلة أخرى من مشكلات الحزب فيها  مصادرة ظالمة، باعتبار آراء الحزب هي آراء الشرع لا (آراء) فقهية مختلف حولها لكل اجتهاده فيها؛ فالحزب ينصِّب نفسه حكما على أفكار المسلمين؛ فما يراه حلالا هو الحلال وما يراه حراما هو الحرام؟، والحديث ليس عن قضايا مبتوت فيها؛ فالخمر مثلا حرام، ولكن حول قضايا سياسية، والحزب سياسي كما يعرّف نفسه، والسياسة أوسع وأكثر تشابكا وتعقيدا وتداخلا من حشرها في بوتقة الرؤى الخاصة بالحزب، وإذا خالفتها بقليل أو كثير فإنك بهذا تخالف الشرع!

وأمر آخر هو أن الناطق يرى أن معرفة الحزب تكون بالتمعن في كتبه فقط؛ وبرأيي فإن الاكتفاء بكتب أي حزب للحكم عليه، أسلوب بعيد عن المنهج العلمي للحصول على معرفة حقيقية؛ فهناك لسان الحال ولسان المقال، وأنا حرصت قدر المستطاع على الجمع بين الأمرين، بالرجوع إلى كتب ومنشورات الحزب، والاطلاع على مواقفه العملية؛ فلا يمكن أن نغفل حادثة جامعة بيرزيت المذكورة في المقال السابق باعتبارها(قصة مبتورة) وفق وصف الحزب، ولا يمكن أن أتجاهل اللغط الذي أثاره الحزب حول رؤية هلال شوّال، وأقلب الموضوع إلى ما يشبه عرضا لكتب الحزب ومناقشتها؛ فواجبي أن أجمع بين الأمرين لتتضح الصورة.

(4)
ويصر الحزب على الفصل بين الأنظمة والجيوش؛ ولا أدري ونحن نعيش ذكرى 23 تموز/يوليو 1952 هل من قاموا بالانقلاب هم عمال أو أطباء أو عمال سكك الحديد أم غير ذلك؛ وهم منذ ذلك الحين يحكمون مصر بالتوالي، ولا يستثنى من ذلك إلا عاما واحدا، على اعتبار أنهم لم يحكموا فيه، وقد تبين أنهم كانوا فيه الآمر الناهي؛ وهل حافظ الأسد وحكام الجزائر والسودان واليمن وغيرها سابقا وحاليا هم من قطاع غير الجيوش التي يعتبرها الحزب مفتاح الحل الوحيد بل الأوحد؟وما الفرق بين الجيوش والأنظمة، خاصة في الدول العالمثالثية ومنها الأقطار العربية؟فالأنظمة والجيوش في هذه الدول شيء واحد، أو توأم سيامي انفصاله يعني موت واحد أو موت الإثنين معا!
فالجيوش وفق رؤية حزب التحرير منوط بها إقامة الخلافة، وتحرير فلسطين ونصرة المستضعفين من الأمة، وفق الإعلان الدائم من الحزب، والذي يرى أن السير بخلافه، أو بمزجه مع غيره مضيعة للوقت!

(5)
يهاجم حزب التحرير م.ت.ف منذ تأسيسها، ويحرّم الانتماء والانتساب إليها، وموقفه من جميع فصائلها معروف ومعلن، ويعلن رفضه للوطنية الفلسطينية باعتبارها صنيعة للاستعمار الغربي، متجاهلا أن حفاظ الشعب الفلسطيني على هويته الوطنية، وقف سدّا منيعا في وجه تمدد المشروع الصهيوني، وما زال العدو يخوض معركة الرواية والسردية بشراسة، وبالتالي لو كان الأمر كما يرى الحزب لما رأينا هذه المعركة المستمرة بضراوة لطمس وشطب الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني.

والوطنية كبوتقة جامعة لا تتعارض مع الشرع ما دامت قائمة على العمل الإيجابي، وثمة شواهد في سيرة النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- على ذلك، وبموقف الحزب هذا من الوطنية لن يستطيع منافسة حتى أحزاب وفصائل صغيرة على الساحة، مع أن عناصره أكثر عددا وانتشارا منها، ذلك أن الحزب في فلسطين يبدو، بل هو يظهر نفسه، كشيء خارج عن البيئة والظرف الموضوعي، متحللا من واجب الوقت!
ولكن ماذا عن موقفه من الحركة التي تنتسب إلى ذات الأيديولوجيا؟

سواء داخل فلسطين أو خارجها فإن العلاقات بين الإخوان وحزب التحرير ليست على ما يرام.

ويغلب على الحزب تتبع أخطاء الإخوان والتعقيب عليها, واستغلال أي فرصة لمهاجمة الإخوان أو التشكيك بهم ولو من باب الإدعاء بأن هذا نصح أو تحذير من الانزلاق؛ ولو أخذنا مثلا قريباً بيان الحزب بعد وفاة د. محمد مرسي كيف رآها فرصة لمهاجمة الرجل مع عبارة باهتة في الترحم عليه, وكذلك اتهام الإخوان بأنهم من بعده سيقدمون التنازلات.

ديدن الحزب في التعاطي مع الحركات الإسلامية الأخرى لاسيما الإخوان، هو الاتهام والتشكيك والتشويش والمزايدة...وكل ما سبق، سواء رأيه في الوطنية الفلسطينية، أو التشكيك بالحركات الإسلامية يغلفه الحزب بادعاء أن هذا رأي الشرع قولا واحدا لا يحتمل الأخذ والرد!

 على كل سآتي على نقاط أخرى تتعلق بالحزب في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

* كاتب فلسطيني/ جنين
 

أضف تعليقاً المزيد