فسحة للرأي

الإعلام والسيطرة .. وحروب الجيل الرابع (علي أحمد عمر)

علي أحمد عمر |
الإعلام والسيطرة .. وحروب الجيل الرابع (علي أحمد عمر)

 كتب - علي أحمد عمر:  تزداد يوماً بعد يوم وتيرة تأثير واختراق وتحكم قوة الإعلام الناعمة بحياتنا اليومية عن طريق اﻻﺳﺘﺨﺪام الموجه ﻟﻠﻜﻠﻤﺎت واﻟﺼﻮر، ذلك أن الإعلام باستخدماته الحالية يروج لأراء وﺘﻮﺟﻬﺎت تخدم أهدافاً خاصة بمالكيه ومشغليه يسعون لتحقيقها، وفي الغالب فإن هذه الآراء  والتوجهات مخالفة للثقافات المحلية التقليدية للشعوب، وهذا يعيدني الى حقيقة ما أذهب اليه دوماً من أنه "ليس هناك من وسيلة إعلامية إلا ولها أجندة خاصة بها، كما أنه ليس هناك من وسيلة إعلامية تسعى للحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة".

تعتبر الثقافة الرابط الذي يربط أفراد المجتمعات بعضهم ببعض، وهي ﺗﺸﻜﻞ إطار الوعي اﻟجماعي الذي يميز ما ﻫﻮ حقيقي وما هو مفيد وما هو ضار، وهي خط الدفاع الذي يحمي روح وهوية الشعوب، ﻫـﺬه البنية الثقافية خلخلها الإعلام الحديث وأدخل فيها اراء وتوجهات ﻳﺘﻢ "تصنيعها وتعليبها" في معامل إعلامية تقوم بتسويق "المنتج" عبر الوسائط الإعلامية التقليدية (المذياع والتلفاز والصحف والقنوات الفضائية) وعبر الوسائط غير التقليدية (عبر الانترنت أو العالم الإفتراضي ووسائل التواصل الإجتماعي) لتحدد للشعوب من هو الصديق ومن هو العدو حسب ما يرتأيه من هم خلف الآلة الإعلامية، وذلك بشكل مخطط وموجه هدفه تدمير أو إضعاف الفعل العقلي الحر ووعي الأفراد والشعوب وثقافتهم والسيطرة على عقولهم وإعادة تشكيلها وبالتالي استعباد الشعوب لدرجة دفعها للانتحار الجماعي أحيانا، بعد افقادها اﻟﺜﻘـﺔ ﻓﻲ كل شيء.
يؤدي الفعل العقلي الحر الى الاحساس والتفهم وبالتالي الى التيقظ والإدراك ثم الى الفهم والوعي الدقيق العميق ﻟﻠﻮاﻗﻊ المحرك للفعل المؤدي الى التنمية الحقيقية المرغوبة، ﻓﺈذا ﻣﺎ ﺗﺒﻠﺪ الإحساس والتفهم والتيقظ والإدراك ﻓﺈن فهم ووعي الأفراد والمجتمعات لن يرقى الى المستوى المطلوب لتوليد القدرة اللازمة لمواجهة الأخطار المتسارعة للنظام العالمي المتغير فيصبح الجميع ﻣﻬﺪدا ﻓﻲ أمنهم ومعيشتهم، فالوعي ﻣـﺼـﺪر ﻘـﻮة وتمكين يؤدي الى قرارات حكيمة وأفعال رشيدة ﺗﺆدي تؤدي بدورها إﻟﻰ إطلاق مارد التنمية والتطور بفعالية واقتدار لتحقيق الأهداف المنشودة. إن اﻟﻘﺪرة على إدراك ووعي اﻟﻮاﻗﻊ السياسي والإقتصادي واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ والأمني المحيط ﻫﻲ ﻣﻔﺘﺎح اﻟﺴﻴﻄﺮة الشعبية، ﻓﺈذا فقد الوعي ﻓﺈن اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ يصاب بالضياع والفشل ثم الانهيار الثقافي والمعنوي والمادي، وهذا أفضل وصف لما تمر به الشعوب العربية هذه الأيام، فنحن أمة تذبح من الوريد الى الوريد وهي لا تعي ذلك، بل أكثر من ذلك نحن أمة تعين عدوها على ذبحها بعد أن قامت قوة الإعلام الناعمة بتخديرها عن طريق تدمير وعيها وخلخلة ثقافتها 
تتسبب قوة الإعلام الناعمة بأنماطه الجديدة بأضرار أكبر من القوة الخشنة أو الصلبة (الاقتصادية والعسكرية)، فقد أدت الى الكسل الفكري والاتكالية المعرفية واﻟﺴﻠﺒﻴﺔ اﻟﻔﺮدﻳﺔ التي تحول دون المعرفة المفيدة، فهي تفكر بالنيابة عنا وتزرع في عقولنا ما ترغب به من اراء وتوجهات وميول، حيث يتحكم من يقف خلف الإعلام بالمعلومة- اﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﺣﻖ للأفراد والشعوب- مما يؤدي الى إضعاف وعيهم وضمان تأييدهم أو سلبيتهم  وبالتالي التحكم فيهم والسيطرة عليهم. إن حملات السيطرة الإعلامية هذه تشنها الحكومات كما تشنها المعارضات السياسية والحركات المسلحة والإرهابية، فمن يحقق السيطرة الإعلامية يحقق أهدافه، ومن أجل ذلك وفي عصر العولمة يبذل أباطرة الإعلام من الدول الكبرى والإقليمية والحكومات المستبدة والحركات المسلحة والإرهابية ومؤسسات المجتمع المدني والشركات ولوبيات المصالح والنخب الانعزالية جهوداً جبارة وينفقون أموالاً طائلة في التحكم بالمعلومات ونشر معلومات موجهة أو منتقاة أو مجتزأة أو محرفة في سعيهم لتحقيق السيطرة عن طريق تدمير قدرة الأفراد والجماعات على الفعل العقلي المستقل والتمييز بين الغث والسمين والإدراك الواعي اﻟﺬي يؤدي الى تحقيق التنمية التي تخدم الشعوب. 
ﻳﺘﻤﺜﻞ أﺣﺪ ﻣﻘﺎﻳﻴﺲ تحقيق السيطرة ﻓﻲ مدى الاﺧﺘﺮاق الخارجي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، وفي الغالب تتم هذه السيطرة عن طريق الحروب غير المتماثلة أو ما يسمى بحروب الجيل الرابع، وهي صراعات غير مركزية وغير واضحة المعالم تتداخل فيها خطوط الحرب والسياسة والخطوط العسكرية والمدنية وتستخدم كل الوسائل المتوفرة بهدف التشكيك والتضليل والإكراه واستنزاف الموارد وزعزعة مؤسسات الدولة وافشالها لفرض واقع جديد عن طريق الضغط والحصار الاقتصادي والحرب الإعلامية النفسية وتكتيكات العنف والإرهاب دون إعلان الحرب ودون خسائر بشرية ومادية يتحملها الجناة، وتتم السيطرة كذلك عن طريق ما يسمى بحروب الجيل الخامس التي تهدف الى احتلال عقول الأفراد والشعوب عن طريق التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي من أجل هدم بنية وقدرات الدول والشعوب ودفعهم للتدمير الذاتي الفردي والجماعي.
ﺑﺎﺷﺮت الآلة الإعلامية عمليات غسل الدماغ والسيطرة الثقافية منذ ﻔﺘﺮة ﻃﻮﻳﻠﺔ، حيث بذلت جهوداً كبيرة وأنفقت ﻣﻮارد مالية ضخمة. وقد نجح الإعلام التقليدي وغير التقليدي بمرور الوقت بشكل كبير في تسويق "منتجه" الإعلامي بطرق مباشرة من خلال ما يسمى بالإعلام الجاد وبطرق غير مباشرة من خلال الإعلام الترفيهي، ومن أجل ذلك تم إنتاج وتسويق إعلام ترفيهي ممسوخ ومشوه من برامج وأفلام تجارية ومسلسلات وأغاني هابطة خلخلت ثقافة الشعوب ووعيها وقيمها وأحلامها وأمانيها ومستقبلها أمام عجز الشعوب عن الفعل أو رد الفعل أواسترجاع زمام المبادرة دفاعاً عن نفسها وعن هويتها الثقافية وكينونتها الإجتماعية. إن الإعلام الترفيهي وإن بدا أنه مفهوم بريء يسعى لملء وقت اﻟﻔﺮاغ إلا أنه ﺷﺪﻳﺪ التأثير والخطورة، فهو ينأى بنفسه عن القضايا المهمة والمصيرية للشعوب بذريعة أن هذا ليس دوره، بينما يسعى غالباً لتحقيق أهداف خبيثة مستترة في معظم الأعمال الإعلامية والفنية التي فضلاً ﻋﻦ إفلاسها اﻟﻘﻴﻤﻲ تعمل على غسل الأدمغة وﺗﻌﺰﻳﺰ أفكار وميول وﺴﻠﻮك فردي وجماعي مصطنع لتسهيل السيطرة على الشعوب سياسياً واقتصادياً واجتماعيا وأمنياً، مما دفع معظمهم لليأس والخنوع ودفع بعضهم لانتهاز الفرصة والاستفادة منها والبعض الآخر الى التطرف والإرهاب والتدمير الذاتي، وهانحن اليوم ندفع الثمن، والمؤلم أيضاً أن أجيالنا القادمة ستستمر في دفع الثمن.
وبرغم كل الحملات الإعلامية لا يزال هناك أفراد وجماعات ومؤسسات تناضل للتحرر من قيد الإعلام ولحماية نفسها من براثن حروب الجيل الرابع والخامس، وقد استطاعوا حماية وعيهم برغم الحملات الإعلامية القوية فارضين بعض اﻟﺘﻐﻴﺮات الملحة لصالح شعوبهم، فمهما ﻛﺎن ﺟﺒـﺮوت اﻟـﻘـﻮة الخشنة المكلفة ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻻ تكفي للسيطرة ﻋﻠﻰ المدى البعيد إﻻ إذا تمكن الإعلام ﻣﻦ تسويق "منتجه" بطريقة تبدو ﻣﻘﺒﻮﻟﺔ وﺟﺬاﺑﺔ لدى الأفراد والشعوب. إن ﻣﺎ نشاهد ونقرأ ونسمع ونرتدي ونأكل ونشرب ونتصور عن أنفسنا وعن العالم من حولنا تقرره آلة إعلامية خدمة لأهدافها لا خدمة لأهداف الشعوب.
إن ترك الفضاء اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ- اﻹﻋﻼﻣﻲ دون حماية تجنبه الشرور والمآسي خطأ وخطيئة، لذا لا بد من نهضة إعلامية تنقل الواقع كما هو دون مبالغة أو استخفاف أو تسطيح وتحترم عقل وثقافة الشعوب وقيمها وتستجيب لنبضها وتعكس أمالها وطموحاتها وتشكل وعاءاً تفاعلياً دون إقصاء للآخر، وتمنح هامش للأفكار المتباينة لتثري الإدراك والفهم والوعي الفردي والجماعي مما يؤدي الى جبهة داخلية قوية ذات مناعة تقف حائط سد أمام أي محاولة  للسيطرة، وفي هذا يتساوى في المسؤولية القطاعين العام والخاص والمؤسسات الحكومية والمدنية والإعلامية والتربوية والدينية. 
 

أضف تعليقاً المزيد