فسحة للرأي

خَيار الضَّمِّ يعبر من فوّهةِ بُندقيّةٍ فارغة

د. ياسر عبد الله |
خَيار الضَّمِّ يعبر من فوّهةِ بُندقيّةٍ فارغة

 كتب - د. ياسر عبد الله:  "تفجير مُدرَّعة في سيناء واستشهاد أربعة من خِيرة شباب مِصر على رأسِهم العقيد أركان حرب محمد فضل"

خبرٌ تم تناقله بكثرة في الآوِنة الأخيرة، لكنَّ المُتَتبِّع للحالة المصرية الرّاهنة يُلاحظ أنه باتَ مألوفًا، فقد تكرَّرت حالاتُ استهداف قيادات الجيش والوحدات الخاصّة في الجيش المصري الذي يُحارب الإرهاب والتَّكفيرين في سيناء. المُشكلةُ ليست في التّفجير وليست في الاستشهاد، فكلّ مَن يحارب عدوَّهُ يكون أمام خَيارَيْن إمّا النَّصر وإما الشَّهادة، وقد نال الأبطالُ فَوزَهُم في الشَّهادة، ولكنَّ المشكلة تكمُن في المعلومات الدّقيقة التي يحصل عليها التّكفيريّون في سيناء عن أسماء الضُّبّاط وتحرُّكاتهم، الأمر الذي يجعل من عملية استهدافِهم أكثر سهولة ودقة، بالتالي؛ على المسؤولين أن يُعيدوا حِساباتهم في مَن يحقُّ له أن يكون جُنديًّا عربيًّا في الجَيْش المِصريّ؛ لأنّ الخطرَ يجيءُ من داخل الجيش على أمن ضُبّاطه وجُنوده.

ما يحدث في سيناء ليس ببعيدٍ عمّا يحدث في فِلَسطين، واليمن، وليبيا، وسوريا؛ فمصر أمام خطر سدّ النهضة بتمويلٍ من إسرائيل للسّيطرة على منابع نهر النّيل وتجفيفه في الأراضي المصرية والسّودانيّة، أو التّحكم بالقرار السّياسي المِصري من خلال أوراق رابِحة تُسيطر عليها إسرائيل بالشّراكة مع أمريكا، وهي كالآتي: الإرهاب في سيناء، الإخوان في كل محافظات مصر، سد النهضة.

والمُتَتبِّع للتّصريحات الدولية والإقليميّة لغالبيّة دول العالم الغربي، يجد أنها تستنكر وتُعارض خَيار الضَّم، فيخرج زُعماءُ تلك الدُّول أو رؤساءُ حكوماتِها ووزراء خارجيَّاتها بتصريحاتٍ رافضةٍ لخَيار الضَّم – المشروع الصهيوني الأمريكي- في المقابل، تحفَّظَت دوَلٌ عربيَّةٌ على أيِّ تصريحٍ رافضٍ لخَيار الضَّم، كما تحفَّظَت على رأيها فيما يخصّ نقل السّفارة الأمريكيّة في القدس وقَصْف إسرائيل لِمواقع في سوريا، بالتالي أصبحَ واضحًا أنّ إسرائيل وأمريكا تُحكِمان سيطرتهما على القرار العربيّ لتمرير صَفقات في دُوَلٍ عَرَبيّة أخطَرُها صفقة القرن وخَيار ضَمّ الضَّفة الغربيّة أو الإبقاء على أجزاء منها كتجمعاتٍ سَكنيّةٍ للفِلَسْطينيّين تحت حُكم إدارة مدنيّة تابعة للاحتلال.

تأتي صفقةُ تبادلِ الأسرى والجنود الصّهاينة والتي تتمّ عبرَ مُثلَّث التَّهدئة المُكَوَّن من مصر وإسرائيل وحماس، في الوقت الذي تُعلنُ فيه إسرائيل وأمريكا عن ضمّ أراضي الضّفة الغربية، وكي تتمّ الصّفقةُ كما تُريد حماس، تشترط إسرائيلُ عليها عدم التّحرُّك عسكريًّا أو محاولة استهداف أمن إسرائيل مُقابل إتمام هذه التهدئة واستكمالها وضمان الأمن القومي المِصري.

لم تعد مصر تلعب الدور المحوري في قضايا الأمن القومي العربي؛ فقد انشغلت بمعارك داخليّة، مما اضطرّ جيشها إلى الانشغال في حروبٍ مع الإرهاب والتكفيريّين، كما أصبحت سيناءُ ساحةَ حربٍ دَمَويَّةٍ أبقَت عوائل مصر مَكلومةً على فَلذات أكبادها، على أبطال مصر وجنودها ورموزها، ويستمرّ استهداف مصر بالضّغط عليها لِبناء سَدّ النَّهضة، عدا عن تهديدها بفَتح جبهة حربٍ أخرى مع إثيوبيا إذا فكَّرَت مصر الوقوفَ ضدّ صفقة القرن أو حتى التّصريح رفضًا لخَيار الضَّم.


إنَّ خَيارَ ضَمّ أراضٍ من الضِّفة الغَربيّة يمرُّ من سيناء على أنقاض نَهر النّيل وسَدّ النَّهضة، بمُباركة الحَركات التّكفيريّة في سيناء، فكُلّ ما يحدث في فِلَسطين مرتبطٌ بما يحدث على أرض مصر وعلى أراضٍ عربيةٍ أخرى؛ فقد انشغلَت تلك الدولَ بحروبِها ومعاركِها الداخليّةِ والمُمَوَّلةِ من الإدارةِ الأمريكيّة والحركةِ الصهيونية في إسرائيل؛ لضمان الضّغط عليها بالتزام الصَّمت وعدم التحرُّك ضدّ أيّ قرارٍ أمريكيٍّ صهيونيّ يستهدف أيَّ قُطرٍ عربيّ؛ بالتّالي فإنَّ المقصلةَ الأمريكيَّة مازالت تُهدِّد بقاءَ تلك الأنظمة الحاكِمة. ويبقى أملُ الأمّةِ العربيّةِ مُعلَّقًا في أعناق شُعوبِها، حتى وإن كانت تُعاني الويلات، فلا خَيار ولا مُساومة على كرامة الشّعوب العربيّة، أمّا فِلَسطين فلها الله في مُعاناتها مع القَمع والانقسام والمؤامرات المُستمرّة.

أُغرِقَت الشُّعوبُ العربيّةُ بالمُشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة؛ فارتفعَت نسبُ البطالة إلى أعلى مُستوياتِها، مما يُشكل مُعاناةً على الشَّباب العربيّ ككل، وارتفعت نِسَبُ الفَقر لدرجة أصبحَت تُهدِّد أمن تلكَ الدّول واستقرارها، أما دول الخليج فأصبحَت مُهدَّدة بنفطِها واستقرار حُدودِها؛ لهذا فإنَّ القَضيَّة الفِلَسطينيّة لم تعُد تُشكِّل أولويَّةً للشعوب العربيّة ولا حتى الإسلاميّة؛ فكلّ تلك الشّعوب مُثقَلة بحُروبِها الدّاخليّة ومشاكِلها المُتعدِّدة؛ فيبقى الرّهان إذن على الشَّعب الفِلَسطينيّ في مُواجهة التّهديديات الأمريكيّة الصُّهيونيّة، وتحمُّل تَبِعات خَيار الضَّم. ولا يعني أن الشعب الفلسطيني سيكون وحيدا في المعركة، فهو في خط الدفاع الأول عن العرب والمسلمين، وإذا ما تحرك الشعب الفلسطيني، كما دلت كل التجارب السابقة، فإنه يحرك الجماهير العربية، ويدفع قضية فلسطين لتأخذ مكانتها الطبيعية لدى الشعوب العربية والإسلامية ويعيد الاعتبار لها.

إنَّ القُدسَ وكافّة مُدن فِلَسطين من الشَّمال إلى الجنوب حتى حدود مصر، إلى الشّرق حتى تشابك الأغوار الأردنيّة الفِلَسطينيّة إلى الغَرب السّاحليّ هي كُلّها أراضٍ مُقدَّسة؛ فقد وُلِد ونَشأ ومَاتَ على أرضها الكثير من الأنبياء والرُّسل، ما جعلها مهبطَ الرّسالات والوَحي، كما عرَجَ منها سيّدنا مُحمَّد صلَّ اللهُ عليْه وسَلَّم إلى السَّماء العُلا، وفيها مهد المسيح ابن مريم عليه السّلام؛ لذا إن هذه البلاد طاهرة لن يدوم عليها نجسُ الصهاينة وإن طال الزَّمان، وإن عَمَّ الظُّلمُ فإنَّ فجرًا مُشرقًا سيأتي على أرضها وشعبها يومًا ما، وستأتي جيوشٌ من كُلِّ بِقاع الأرض لتنتصر لفلسطين انتصارا لذاتها في مواجهة الحقد والأطماع الصهيونية، وسيكون الشَّعبُ الفِلَسطينيّ كما هيَ القُدس؛ قلب الأمّة العربيّة والإسلاميّة والمَسيحيّة، نابضا بالحرية والكرامة في الخنادق المتقدمة للعرب والمسلمين وكل أحرار العالم.
 

أضف تعليقاً المزيد