تقارير وتحقيقات

أحد منتسبي قوات الأمن الوطني .. نعيم عفانة.. حكاية أول فصولها عذاب وآخرها عزة وكرامة

|
أحد منتسبي قوات الأمن الوطني .. نعيم عفانة.. حكاية أول فصولها عذاب وآخرها عزة وكرامة

كتب - رومل السويطي- في ظل محاولات البعض، تارة التقليل من شأن المؤسسة الأمنية، وتارة التطاول عليها، كان لا بد من تسليط الضوء على نموذج لأحد أبناء هذه المؤسسة التي قدمت أعدادا كبيرة من الشهداء والجرحى والأسرى، الى جانب عملها في ظروف أمنية وسياسية بالغة التعقيد.

تبدأ حكايتنا مع أحد منتسبي هذه القوات المقدم نعيم محمد عفانة من بلدة تل بمحافظة نابلس، الذي ولد في ظروف قاسية جدا، حيث استشهد شقيقه الأكبر فتحي خلال محاولة اغتيال القائد خليل الوزير "ابو جهاد" في منطقة الفاكهاني بلبنان سنة 1981 وكان ضمن طاقم الشهيد ابو جهاد، وبعد عام، استشهد والده القائد الحاج محمد عفانة في شهر رمضان من العام 1982 على أيدي مخابرات الاحتلال، بسبب نشاطاته في المقاومة ضمن صفوف حركة فتح خاصة دوره الطليعي في القضاء على ما كان يسمى روابط القرى. وكان نعيم لا يزال رضيعا، وفي نفس العام اعتقلت والدته وهو رضيع، وفي وقت لاحق استشهد شقيقه الثاني المقدم ابراهيم سنة 2002، وأصيب شقيقه الثالث الرائد عمر بجروح خطيرة كاد يفقد حياته بسببها بعد قصف موقعه بصواريخ الطيران الاحتلالي في اجتياح نابلس سنة 2002، والذي كان قبل ذلك قد حكم عليه أربعة مؤبدات و85 سنة، ثم أفرج عنه بعد اتفاق طابا في عهد الرئيس الشهيد ياسر عرفات.

يقول الرائد المتقاعد والأسير المحرر والجريح عمر عفانة شقيق نعيم إن حكاية شقيقه كانت أول فصولها عذاب وآخرها عزة وكرامة، حيث تم اعتقال والدته في قسم تحقيق المسكوبية في القدس المحتلة، وأصبح لزاما عليه السفر يوميا من نابلس الى القدس لمحاولة زيارة الوالدة ليس شوقا لها ولا خوفا عليها فحسب، بل لحاجة نعيم لجرعة رضاعة.

ويضيف مستذكرا بأنه وأسرته كانوا ينتظرون ساعات طويلة دون فائدة، حتى أن السائق رياض اشتية وهو من قرية تل والذي كان يرافقهم يوميا الى القدس "أشفق" عليهم من مصاريف السفر اليومية، وفي يوم من الأيام وبعد طول انتظار سمحوا لعفانة بالدخول، حيث حمل نعيم وهو يبكي فيما يحاول شقيقه عمر أن يهدئ من روعه قائلا له: "هينا رايحين لأمي". وعندما دخلوا حضرت مجندة احتلالية وأخذت منه نعيم ودخلت الى قسم التحقيق. ويقف عمر ينتظر في الممر وهو على قناعة بأن نعيم سيرى والدته ويهنأ معها ولو لوقت قصير وتحتضنه وترضعه. ولكن الذي حدث أن المحقق الاحتلالي الذي كان يدعى (ابو نهاد) لم يسمح لها بالاقتراب منه واحتضانه وساومها عليه (الاعتراف مقابل الرضاعة).

الأم المناضلة زوجة القائد الشهيد رفضت، ولم تستطع أن تحبس دموعها عليه وهو يحاول القفز من يدي المجندة الى حضنها. واستذكر عمر ما قالته والدته لاحقا إنها عندما شعرت بأنها على وشك الانهيار أدارت وجهها عن رضيعها وهي تعتصر حسرتها عليه وشوقها لاحتضانه. وبعد ثمانية عشر يوما، تم نقل "أم فتحي" الى سجن نابلس المركزي حيث كان ابنها الشهيد ابراهيم يقضي حكما بالسجن 6 سنوات وأصبح متاحا لنعيم وجبة رضاعة واحدة يوميا، بعد نجاح مطالبات المحامية فيليتسيا لانغر.

وتمر الأيام والسنين وينهي نعيم دراسته الجامعية في الصحافة والاعلام، وأبى إلا أن يلتحق في صفوف قوات الأمن الوطني رافضا العديد من الفرص المميزة، لكنه كان مقتنعا بأنه في المكان المناسب.

يقول عمر عفانة إن مجموع جرعات الرضاعة التي تلقاها شقيقه كانت قليلة، لكنها أكسبته لاحقا، جرعات كافية وبنسبة عالية جدا من العزة والكرامة والكبرياء.

وانتهى الى القول إن نعيم واحد من بين عشرات الآلاف من منتسبي الأمن الفلسطيني الذين لهم قصص مماثلة وربما أكثر، وأمهاتهم مناضلات وفدائيات. ويقول: من ينادي بالحرية لا يشتم الحرة.

أضف تعليقاً المزيد