فسحة للرأي

توجيهات عامة بشأن عملية اتخاذ القرارات الإدارية في مجال الإدارة الأكاديمية

د. بهاء الدين مسعود خويره |
توجيهات عامة بشأن عملية اتخاذ القرارات الإدارية في مجال الإدارة الأكاديمية

 كتب - د. بهاء الدين مسعود خويره *:   تعتبر عملية اتخاذ القرارات من المهام الجوهرية التي يقوم بها الموظفون الذين يملكون سلطة التقرير، لذا وُصفت هذه العملية بأنها قلب الإدارة، ووُصف من يملك سلطتها بأنه متّخذ القرارات (Decision Maker)، الذي يتميز عن بقية أعضاء التنظيم الإداري في الجهاز الإداري، انطلاقاً من واقع حقه النظامي في صنع واتخاذ القرارات الإدارية.

من هنا أصبحت عملية اتخاذ القرارات محور العملية الإدارية، وأصبح مقدار النجاح الذي يحققه الجهاز الإداري يرتبط بدرجة كبيرة على قدرة وكفاءة القيادية الإدارية في اتخاذ القرارات المناسبة، ولهذا فإن أي تفكير في العملية الإدارية ينبغي أن يرتكز على أسس وأساليب اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى التركيز على أسس وإجراءات تنفيذها، لا سيما أن التنظيمات الإدارية الحديثة لم تعد تسعى لتحقيق هدف واحد كما كان عليه الأمر من قبل، وإنما هي مطالبة بتحقيق العديد من الأهداف المعقدة والمتشابكة في ظل ارتباط دور القرارات بجوانب العملية الإدارية المختلفة، من تخطيط، وتنظيم، وتنسيق، وسياسات، واتصالات وغيرها.
وكما هو معروف، فإن عملية أو خطوات اتخاذ القرارات الإدارية تمر بمراحل وخطوات متعددة، تختلف تصنيفاتها وخطواتها ومناهجها وأساليبها والعوامل المؤثرة فيها، تبعاً لاختلاف وجهات النظر بين فقهاء الإدارة والباحثين والكتاب والمتخصصين في هذا المجال. 
وأيا كان الأمر إزاء تلك الاختلافات، فإن الوصول إلى قرارات إدارية أكثر رشداً وصواباً في مجال منظومة الإدارة الأكاديمية يفرض بداية على القيادات الأكاديمية أن تدرك إدراكاً تاماً بأن مؤسسات التعليم العالي تعتبر أنواعاً فريدة من المنظمات الإدارية والمهنية، ذات أهداف معقدة وغامضة ومشتتة، وهياكل تسلسلية متميزة، ومسؤولية ومهام خاصة، يسلك من يتحمل تنفيذها سبلاً مختلفة لاتخاذ القرارات ووضع السياسات التنظيمية المناسبة، وبناءً على ذلك ستجد مؤسسة التعليم العالي نفسها مطالبة باستمرار بتمثيل أدوارٍ مختلفة، وتحديات متنوعة، نتيجة لخصوصية الدور المناط بها.
وإذا كانت نظريات علم الإدارة المتعارف عليها تُبين وتصف جزءاً من سير العملية الإدارية في مجال نظرية الإدارة الأكاديمية، فإن الأخيرة تُضيف وتصف جزءاً آخراً لا سيما لناحية المشاركة في عملية صنع القرار، من خلال النظرة لمؤسسة التعليم العالي بأنها مجتمع من العلماء تتطلب إدارتها مشاركتهم بسلطات أقوى من سلطات المسؤولين الرسمية، وبشكل يجعل مركز السلطات في المجتمع الجامعي مُكونة من مجموعات متساوية تعتمد على الاعتبارات الشخصية فيما بينهم بدلاً من العلاقات التقليدية الرسمية للرؤساء والمرؤوسين. 
كما ينبغي على مؤسسات التعليم العالي أن تأخذ بعين الاعتبار والتقدير دائماً ما يتعلق باستقلالية الكليات والأقسام الأكاديمية سواء من الناحيتين العلمية أو الإدارية، باعتبارها مراكز علمية متخصصة تشكل جزراً مستقلة من الوحدات التنظيمية ضمن مؤسسة_صغيرة الحجم كانت أم كبيرة_ لا يمكن للإدارة الجامعية المركزية فيها معالجة جميع المشاكل التفصيلية على الوجه الأمثل، خاصة في ظل حجم التفاعلات المعقدة التي تستدعي وجود خبرات أكاديمية ومهنية رفيعة المستوى تعالج المسائل الفنية التفصيلية بدراية وحكمة متناهية، ضمن سلطة تقديرية مدروسة بعناية فائقة تأخذ بعين الاعتبار الظروف والأحوال الخاصة بكل حالة على حدا.
ووجود سمة الاستقلالية_كما أثبتت الدراسات المتخصصة في هذا المجال_ سيزيد من مشاعر الثقة والرضا والانتماء والإخلاص، خاصة عندما نتكلم عن أساتذة ذوي مهارات وقدرات متميزة لا مفر من أن ينالوا درجة أكبر من الاستقلالية في إدارة شؤونهم، أما عندما تزيد التأثيرات الخارجية خاصة من الإدارة العليا المؤسسة، فإن مركز الأساتذة الجامعيين سيتحول إلى مجرد مُستخدمين خاضعين لإدارة مركزية بيروقراطية تُصدر الانظمة والتعليمات التفصيلية، لتتحكم بالمسائل الأكاديمية العلمية على حساب استقلالية الأداء وحرية التصرف، مشتتةً للأهداف بدلاً من توحيدها، ومعقدة للإجراءات بدلاً من تبسيطها، ومحدثةً من حيث لا تدري؛ ضعف في العلاقة بين النجاح في الحياة ودرجات التحصيل العلمي.
وأخيراً ينبغي على مؤسسات التعليم العالي التروي واخذ الحيطة والحذر إزاء عملية صنع وتنفيذ بعض القرارات الإدارية الهامة والمحورية، مثل القرارات الإدارية الحيوية (التي تتعلق بمشكلات مصيرية تحتاج في حلها للتفاهم والمناقشة وتبادل الآراء)، والقرارات الإدارية الإستراتيجية "غير التقليدية" (التي تتصل بمشكلات ذات أبعاد متعددة وعلى جانب كبير من العمق والتعقيد لا يمكن مواجهتها بقرار فوري أو بمجرد عقد اجتماع لمناقشتها ودراستها، بل لا بد من تسخير جميع الإمكانيات والتخصصات المتوفرة من ذوي الخبرة والمختصين لمعرفة أبعاد المشكلة محل القرار)، وكذلك القرارات الإدارية غير المبرمجة، وتُسمى القرارات الابتكارية أو الإبداعية (التي تتعلق بمشكلات ذات جوانب متعددة وعلى جانب كبير من العمق والتعقيد، وهي تحتاج إلى نوع من التفكير والإبداع والابتكار في الحلول والمواجهة، بالإضافة إلى أنها تحتاج إلى وقت كاف لاتخاذها، وإلى صفاء ذهن متخذيها، وتتطلب عادة بحوث واستشارت لتنفيذها).
 وفي المحصلة النهائية ينبغي إعطاء الاهتمام إزاء كل ما يتعلق بالقواعد والمبادئ والأصول والخطوات التي يمكن اعتمادها والعمل بموجبها من قبل القيادات الأكاديمية المختصة بشأن عملية الإصدار ومتابعة التنفيذ. 
ومع تسليمنا بأنه ليس لزاماً على أي مسؤول في الإدارة الأكاديمية الالتزام بنموذج أو أسلوب معين بغية الوصول للقرار الإداري المناسب، خاصة في ظل الخصوصية التي تتسم بها الإدارات الجامعية سواءً من حيث التنظيم أو الأهداف، إلا أن إتباع الخطوات السليمة اللازمة قبل إصدار القرار(في ضوء حيثياته والظروف والملابسات المحيطة به) يعتبر من الأساليب العلمية التي تؤدي إلى نجاح واستقرار المؤسسة التعليمية، ورفع مستوى رضا العاملين فيها، لا سيما أن علم الإدارة له قواعده وأصوله وتطبيقاته التي من الممكن أن توفر لرجل الإدارة الناجح الموارد اللازمة في كل القطاعات والمؤسسات، العامة منها والخاصة على حد سواء، وهو علم كان وما يزال علماً يافعاً في قمة حيويته وتطوره المستمر.

* أستاذ القانون العام المساعد/ كلية الحقوق- جامعة فلسطين الأهلية-بيت لحم
 
 

أضف تعليقاً المزيد