تقارير وتحقيقات

زياد ابو الراتب .. من بائع متجول الى رجل أعمال "مميز"

|
زياد ابو الراتب .. من بائع متجول الى رجل أعمال "مميز"

كتب - رومل شحرور السويطي *   كانت بدايته قبل أن يبلغ الحُلُم، مع والده المرحوم راتب ابو شحادة "أبو زياد" المنحدر من قرية طلوزة ويسكن منطقة راس العين بمدينة نابلس، والذي كان يعمل على عربة لبيع النثريات وألعاب الاطفال منذ العام 1965 ولغاية 1984، تساعده زوجته "أم زياد" التي شاركته شظف العيش وقسوة الحياة، في بيتهم المغطى بـ "الزينكو" مع ولديها زياد وتاج، وخمس شقيقات.

"حياة وسوق" التقى الإبن البِكر للمرحوم راتب أبو شحادة، (زياد راتب 51 عاما) والأب لأربعة أبناء أكبرهم راتب 25 عاما، ورعد ومحمد وعز الدين، ثم رؤى، ويُعرف زياد بين معارفه بـ "أبو الراتب" ليصبح فيما بعد من رجال أعمال نابلس المعروفين.

الأب هو الأساس

وحين حاولنا التحدث معه حول بداياته، أصر أن تكون بداية الحديث عن والده الذي توفي قبل أربعة وعشرين سنة، مؤكدا أن الخير الذي يعيشه وشقيقه "تاج" وعائلتيهما، يعود الفضل فيه الى الله تعالى أولا وأخيرا، ثم لتقوى والده الى جانب صبر والدته، موضحا بأن التعب لم يكن نصيبه لوحده، بل نال التعب من جميع أفراد أسرته الذين كانوا يجهزون ويعدون بعض النثريات في البيت قبل حملها لبيعها في السوق.

وعلى المستوى الشخصي، بدأ "أبو الراتب" مع والده وهو ابن ثماني سنوات، مستذكرا بأنه كان يبيع النثريات وألعاب الأطفال، تارة على عربة متحركة، وتارة على بسطة ثابتة، وتارة كان يحمل صندوقا خشبيا ويعلقه بحبل على رقبته، ويتجول به لساعات طويلة في الاسواق والمستشفيات والحافلات، كما عمل "حمّالا" في مجال تحميل وتنزيل أطنان من الموز وبعض أنواع الفواكه، ولم يقتصر عمله الشاق هذا في نابلس، بل كان يخصص بعض أيام الأسبوع لبعض المدن في الداخل المحتل. وحين يستذكر تلك المرحلة من حياته يقول انه طالما تم اعتقاله واحتجازه عشرات المرات، وطالما فرضت عليه مئات الغرامات المالية من جانب شرطة الاحتلال بسبب عمله كبائع متجول، خاصة في الداخل المحتل بشكل عام والقدس بشكل خاص.

النجاح في التجارة

ويستمر ابو الراتب في العمل مع والده بعد انتهاء الدوام المدرسي، الى أن وجد نفسه مضطرا لترك المدرسة عند الصف "الأول ثانوي" بعد أن تيقن بضرورة أن يكون الى جانب والده بشكل دائم، وأن مستقبله سيكون من خلال العمل التجاري، وكأنه يريد أن يثبت لنفسه بإمكانية النجاح في مجال التجارة، وهذا ما كان لاحقا.

ثم يتحدث ابو الراتب عن علاقته وجميع أفراد أسرته بوالده، فيؤكد أن والده الذي توفي يوم السابع من ايلول 1994 كان حريصا طيلة حياته على تعليم أولاده وبناته على أن الأساس في حياتهم يجب أن يكون العمل المتواصل مع الحرص على أن يكون طعامهم من الرزق الحلال، والإنفاق على المحتاجين من هذا الرزق الحلال حتى يبارك الله فيه.

مخزن أجرته السنوية 72 دينار!

ومع بداية الثمانينيات وتحديدا سنة 1981 بدأت أسرة زياد راتب بتطوير عملها من خلال شراء كميات من النثريات وألعاب الأطفال من الداخل المحتل وبيعها بالجملة لاصحاب البسطات والعربات المتحركة، وتمكن والد زياد الراتب في وقت سابق من استئجار مخزن متواضع في حي الشيخ مسلم في البلدة القديمة سنة 1972 بأجرة سنوية قيمتها 72 دينار في حينه، لتخزين بضاعته المتواضعة، واستمر الأمر كذلك حتى العام 1985 حيث تمكنت الأسرة من شراء محل تجاري قرب المسجد الكبير في البلدة القديمة، لتكون بداية نوعية للانتقال من البيع كباعة متجولين الى البيع بشكل ثابت.

وفي العام 1991 بدأت الأسرة تقطف ثمار تعبها على المستوى الشخصي، حيث تمكنت الأسرة من شراء أرض في منطقة المساكن الشعبية وبناء بيت واسع من شقتين، لتكون نقلة نوعية في التخفيف من الظروف القاسية لبيتهم السابق.

بعد وفاة الأب

وكانت الانطلاقة الثانية في حياة "ابو الراتب" والى جانبه شقيقه "تاج" بعد وفاة والده سنة 1994 حيث شعر بثقل الأمانة لا سيما وأنه الابن البكر، واستمر في العمل بنفس أدبيات والده وأخلاقه، لمدة تجاوزت العامين بقليل. ثم يقرر "ابو الراتب" تطوير العمل من خلال "الاستيراد" ليسافر الى تايوان سنة 1996 ويحقق انجازات متواضعة في رحلته، لكنها لم تكن كما أراد، فقرر السفر مجددا بعد سنة، ولكن الى الصين،  ويلمس نجاحا حقيقيا على كافة الاصعدة. وتكون من ثمار التحدي الذي خاضه، شراء محل تجاري جديد سنة 1999 في شارع حطين وهو من أهم شوارع نابلس.

ويستمر مشوار "أبو الراتب" والى جانبه شقيقه "تاج" ليشتري بعد ذلك وتحديدا سنة 2005 محلا تجاريا في مركز المدينة، لتكون نقلة جديدة وقوية في حياته العملية. ولم يقف عند هذا الحد، حيث امتد الى طولكرم، واشترى هناك محلا تجاريا جديدا سنة 2007 وبفعل النجاح الذي حققه في مدينة طولكرم اشترى محلا تجاريا آخر سنة 2010 في أحد أهم شوارع طولكرم، وفي العام 2013 اشترى محلا آخر في قلب نابلس "منطقة الدوار".

الدخول الى العمل العام

ولم يقتصر نجاح ابو الراتب في المجال التجاري، حيث فرضت عليه علاقته الوطيدة مع عدد كبير من رجال الاعمال الخوض في العمل العام من خلال الاصلاح والمشاركة في فعاليات اقتصادية واجتماعية، وتوجت هذه المشاركة من خلال دخوله انتخابات ملتقى رجال اعمال نابلس سنة 2013 حيث فاز بمقعد عضوية الهيئة الادارية، وفي سنة 2017 تم انتخابه مجددا وأسندت اليه عضوية أمانة صندوق الملتقى. ولا يخفي ابو الراتب سعادته بثقة زملائه رجال الاعمال به، مؤكدا أن علاقته معهم ومع غيرهم من رجال الاعمال تمتاز بأنها أكثر من مجرد "صداقة" بدليل عدم وقوع أي خلاف بينه وبين أي منهم.

رؤيته لواقع نابلس الاقتصادي

ويعتقد ابو الراتب أن الواقع الاقتصادي لنابلس دون المستوى المأمول والمطلوب، موضحا أن توجه المواطنين الى الرفاهية وشراء السيارات الجديدة والفارهة والشقق باهظة الثمن، وكل ذلك في ظل ارتفاع نسبة نفقات المواطن ودخله المتدني وغلاء المعيشة، كل ذلك، الى جانب كثرة المحلات والبضائع في الاسواق من ذات الصنف، وعدم دخول متسوقين من خارج المدينة، كل ذلك أدى الى الحد من السيولة، وبالتالي تعقيد الواقع الاقتصادي بشكل عام.

ويعرب ابو الراتب عن اعتقاده ان الخروج من هذه الأزمة، يأتي من خلال توجه كبار رجال الاعمال الى الصناعة، وفي ذات الوقت أن تقوم الحكومة بواجبها في تشجيع الاستثمار والمساعدة في فتح باب التصدير عن طريق الاردن، مؤكدا ان هناك امكانية لوجود صناعة فلسطينية بمستوى يناسب واقعنا وامكانياتنا وظروفنا كشعب تحت الاحتلال، تساهم في زيادة نسبة الايدي العاملة وتخفيف البطالة وزيادة السيولة، وقال ان المهم هو "أن تقوم الحكومة بواجبها من خلال ايجاد تسهيلات تعرفها الحكومة جيدا".

وتمنى ابو الراتب على أبناء شعبنا أن تعود المحبة والألفة بينهم، مستذكرا أحوال الناس خلال الانتفاضة الاولى وكيف تقاسم أبناء الحي الواحد لقمة العيش، معتبرا تلك المرحلة دليل على امكانية أن يعود شعبنا كما كان في الماضي في تلاحمه وترابطه، وفيما يتعلق بخريجي الجامعات، تمنى ابو الراتب عليهم أن لا ينتظروا الوظيفة، بل البحث عن اي عمل حلال وأن يؤمنوا بأن الرزاق هو الله تعالى.

* هذه المادة كتبت لصالح ملحق "حياة وسوق"/ جريدة الحياة الجديدة

 

أضف تعليقاً المزيد