اخباريات فلسطينية

ما وراء تنعية حماس لسليماني!

|
ما وراء تنعية حماس لسليماني!

كتب - عوض عبد الجبار الجريري*  أثارت تنعية حركة المقاومة الإسلامية حماس لقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني حفيظة الكثيرين من أنصارها وخصومها، ولم تكتفي بهذا بل ذهب رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية إلى طهران لتقديم واجب العزاء، وزار منزل سليماني وأطلق عليه اسم "شهيد القدس" مما أثار سخطاً واسعاً في صفوف أنصار الحركة.

لكن الغريب أن المنتقدين لموقف حركة حماس من اغتيال سليماني لم يغوصوا في أعماق المفاهيم، ولم يبحثوا عن حقيقة الأمر وأسباب هذا الموقف، ولم يسألوا أنفسهم هل من الممكن أن تضحي حماس بشعبيتها لدى العرب والمسلمين مقابل الإشادة بسليماني ووصفه بشهيد القدس، مع أن الجميع يتفق أنه مجرم حرب، سفك دماء الكثيرين في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان؟ حماس حركة ذكية مرت بالعديد من التجارب التي أصقلت خبراتها في التعامل الدولي، وإن كان ما قاله هنية في سليماني مؤلم لنا جميعاً إلا أن ما قاله لا يتخطى إطاره الإعلامي، وفي المقابل هذا الموقف سيفتح الدعم الإيراني العسكري على مصراعيه لحركة حماس التي تركتها كل الدول العربية وحيدة.
 
إن كان هناك من ينبغي توجيه اللوم إليه لموقف حماس هذا فهي الأنظمة العربية التي طرقت حماس أبوابها ونوافذها وحتى شبابيكها، لكنها تعرضت لخيبة أمل كبيرة من هذه الأنظمة التي لم تسمح لنفسها حتى بالجلوس مع قيادات حماس والاستماع لهم فيما يتعلق بوجهة نظرهم في الشأن الفلسطيني! الأنظمة العربية قاطعت حماس وتركتها وحيدة تكافح عن قضية العرب والمسلمين الأولى، ولم تكتفي بعض الأنظمة العربية بهذه الخطوة، بل صعدت عداوتها مع حماس التي لم توجه يوماً رصاصة واحدة ضد أي فرد أو نظام عربي، فشنت حملات عدائية ضد حماس معلنة أنها حركة إرهابية، فاعتقلت كوادرها وعناصرها كما حدث مؤخراً في المملكة العربية السعودية التي اعتقلت ما يقرب من 83 من قيادات وعناصر حماس داخل المملكة، وعلى رأسهم ممثل الحركة في السعودية محمد صالح الخضري ونجله!
تعامل الأنظمة العربية السيء مع حماس دفعها للذهاب نحو إيران للحصول على السلاح لمقارعة العدو الصهيوني، وقاسم سليماني كان من أشد الداعمين لحماس بالسلاح والمال كما صرحت قيادات الحركة بذلك، فتعزية حماس لإيران بعد اغتياله ليس تأييداً لجرائمه التي ارتكبها في سوريا واليمن والعراق، بل هو وفاءً له لما قدم من دعم كبير لكتائب القسام وسرايا القدس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى. كلنا امتعضنا من تعزية حماس لإيران لكن القاعدة الفقهية قالت "الضرورات تبيح المحظورات" وحماس مضطرة لإتخاذ هذا الموقف لضمان استمرار حصولها على الدعم العسكري الإيراني.
 
لم تقف حماس يوماً إلى جانب الطغاة المجرمين حتى تتخذ هذا الموقف الآن، ففي سوريا تعرضت الحركة إلى إمتحان صعب لم يُترك لها سوى خيارين، إما الوقوف إلى جانب الشعب السوري، أو الوقوف إلى جانب النظام الذي يرتكب المجازر بحق شعبه، ولأنها حركة وطنية إسلامية ذات مبدأ قوي لم تجد عذراً من الوقوف إلى جانب الشعب السوري، فأضطرها ذلك للخروج من سوريا ووقوع قطيعة بينها وبين النظام فلم تبالي، على الرغم من حاجتها للدعم الذي كانت تتلقاه من بشار الأسد.

عند الجدية تعرف حماس الموقف الذي ينبغي لها أن تقفه، لكن ما دام أن الأمر يقتصر على تقديم مواقف إعلامية لا تقدم ولا تؤخر فإن حماس مجبرة على تعزية سليماني كون إيران الجهة "الوحيدة" التي تقدم لها الدعم العسكري، ولو لا الله ثم إيران لما وصلت إمكانيات المقاومة إلى هذه القدرة المتطورة كما أكد ذلك قادة حماس.
إذاً علينا أن نعذر حماس وأن ندرك أن حالها كحال من يأكل لحم الميتة اضطرارا، أو كحال من يسيء للإسلام وهو مكره وقلبه مطمئن بالإيمان.  الحملة الواسعة التي تُشن على حماس ليست بسبب موقفها الإعلامي من اغتيال سليماني، بل لأن هناك محور عربي بات يعتبرها حركة إرهابية إرضاءً للعدو الصهيوني والإدارة الأمريكية، وهو ما ينبغي علينا كشعوب عربية الانتباه له والحذر منه، فالانخراط في هذا المخطط الصهيوني الذي يريد تشويه حماس بأي ثمن هو الهدف من خلال الهجوم الإعلامي.
 
علينا أن ندرك أن حماس حركة عربية إسلامية، ولا يمكن بأي حال أن تستلم الدعم من إيران على حساب دماء وأرواح العرب، وهذا ما لمسناه من خلال تأييدها للثورة السورية التي تقف ضدها إيران، فحماس أعلنت بكل شجاعة وقوفها إلى جانب الثورة السورية مع أن هذا الموقف يغضب الإيرانيين لكنها لم تساوم على أرواح ودماء الشعوب العربية وهذا يُحسب لشجاعة وجرأة حماس في قول الحق.

فقبل أن نحكم على هذا وذاك علينا أولاً الغوص في الأعماق للبحث عن الظروف التي جعلت الحركة تقف هذا الموقف، وبعد أن نطلع على ظروفها الاستثنائية يجب أن نقف إلى جانبها لا أن نعاديها، فمهما كان حجم "الخطأ" الذي ارتكبته حماس في -نظر البعض- إلا أنها حركة مقاومة والواجب الأخلاقي والشرعي والقانوني يفرض علينا مساعدتها والوقوف إلى جانبها بكل السبل المتاحة، لا معاداتها فتستفيد إيران من هذا الوضع.
 
* الجزيرة نت 
 

أضف تعليقاً المزيد