فسحة للرأي

الانتخابات الإسرائيلية: كلاكيت ثالث مرة ..

نادية عصام حرحش |
الانتخابات الإسرائيلية: كلاكيت ثالث مرة ..

 كتبت - نادية عصام حرحش *  كما في كل مرة، حمى الانتخابات تتصاعد، لدرجة تشعر بها أنك ان لم تفهم ما يدور قبل انتخاب الرجل المسيطر القادم، ستدوسك عجلات صفقة القرن هذه المرة. أعلنت صفقة القرن لتكون جزء من حملة تناصر وتخدم نتانياهو لتأكيد غلبته هذه المرة رغم قرار عزله ومحاكماته الكثيرة الجارية والمتوقعة.

من ناحية أخرى وعلى الرغم من حرب ضروس مشتعلة ما بين غانتس ونتانياهو من جهة وبينيت وليبرمان وغيرهم من جهة. هناك اتفاق هذه المرة على اتفاقهم بشأن صفقة القرن وعلى تأكيد جانتس بأنه ليس مستعدا بل لا يريد للعرب بأحزابهم ان يكونوا معه. على العكس شدد غانتس على وجوب اعلاء الصهيونية وتثبيتها في يمين واحد. وتحت وعود صفقة القرن والتطبيع القادم وعد نتانياهو الناخب العربي بتسهيلات للحج. بينما استثمر بينيت بزيادة المستعمرات وعيدا لصفقة القرن.
فذهب نتانياهو ضمن حملته هذه المرة مخاطبا العرب في لقاء قدمه عربي على شاشة عربية في الداخل المحتل، ليقدم خدمات للحاجين الى السعودية اقل تكلفة ومباشرة من بن غوريون الى مكة. وبقي تحمل تفشي العنف على ظهر المرشح العربي لإيقافه بتعهدات موعودة.
وتبقى التغييرات كما في كل مرة تثبت ضلوع أمريكا وروسيا وبعض الدول العربية بصورة مباشرة من اجل دعم نتانياهو. في محاولة الانتخابات السابقة تدخلت روسيا بهذا الشكل بدعم نتانياهو من خلال خرق سيادة سورية، بإرجاع رفات جندي إسرائيلي الى الكيان الصهيوني. هذه المرة أطلق العنان للغارات الإسرائيلية على دمشق من الجولان الذي أعلنه ترامب في الحملة السابقة للانتخابات إسرائيليا، ليسجل نتانياهو طاغوتا يمتد من خلاله شعبه الى ارجاء المنطقة بين سياحة وشراء أراضي وعقد استثمارات.
ان الرغبة الدولية بكسب نتانياهو لهذه الانتخابات واضح. هناك تغيير جوهري على وشك ان يحصل بالمنطقة، وستؤدي خسارة نتانياهو بالانتخابات الى البدء من جديد في وحل محاولة إيجاد “تصفية” مناسبة للقضية الفلسطينية ودول الجوار التي يشكل عرابها الأمير السعودي بن سلمان. فبين اعلان نتانياهو للتسهيلات والعلاقات بين الكيانين، وبين تصريح للأمير السعودي يطلب من الفلسطينيين بصيغة التهديد القبول بصفقة القرن، لم يتبق للتشكيك بالنوايا مكان.
 صفقة القرن التي عقدها وخطط لها وأعلنها الإسرائيليون وقرروا فرضها وترامب على الفلسطينيين من جانب واحد، يتم اختراقها من قبل صناعها. فشرع وزير الحرب الإسرائيلي بينيت بإعلان مخططات لقرارات وإجراءات جديدة، تتضمن بناء وحدات استعمارية أخرى ومنع البناء في مناطق ب. وقد يكون اعلان الحكومة لبناء وحدات سكنية ومشاريع سياحية في منطقة المطار- قلنديا ضمن بنود صفقة القرن، تشكل صفعة مدوية لما تبقى من حدود للقدس تنتهي بهذا الى حاجز قلنديا الذي تحول رسميا الى معبر قلنديا الحدودي. ليشكل مع الترتيبات الجديدة للمنطقة من بناء لجسر مروري وتقليص لمسالك السيارات تأكيد لخطة فصل بدأ تنفيذها.
ولأن غزة بؤرة شغفهم نحو الدماء الممكن استباحتها، ينتهي مشهدنا بجرافة عسكرية تجرف فلسطينيا في خان يونس، ليتأكد ناخبيهم ان ثمن اصواتهم يذهب لهدر المزيد من دماء الفلسطينيين وتقطيع اشلائهم ان سمحت لهم الفرص.
من الناحية الأخرى تحارب السلطة الفلسطينية نتانياهو ربما، للتأكد من عدم فوزه مجددا، بكيد الفلسطينيين بتصعيد التطبيع مع الاحتلال.
وحرب في الوسط العربي مستعرة الوطيد، تستمر مع كل اعلان لانتخابات بين الكتل والأحزاب والجماعات والافراد بين مقاطعة او مشاركة في الانتخابات. بين الميل نحو محور نتانياهو او غانتس، لم يعد ير ايهم عيبا ولا حرجا بالتواجد جنبا الى جنب وسط الاعلام الإسرائيلية والترديد بالتشديد على فلسطينية هويته.
 فلا لا يزال المجتمع الفلسطيني بالداخل منشق بموضوع الانتخابات. بين خلاف بشأن ثقة المنتخبين بالأحزاب، مما يشكل مشكلة حقيقية بذهاب الكثير من الأصوات علنا للأحزاب الصهيونية، كما تبين ان الأحزاب الحالية تتبنى الصهيونية كأداة مباشرة تستمد منها شرعيتها، فالمشاهد لمقابلة المحطة العربية لنتانياهو لا يجد فرقا حقيقيا بين جموع المرشحين. فإذا ما كان الامر متعلق بتقديم خدمات وتوفيرها، فلقد امن نتانياهو كذلك حجة مباشرة بتكاليف اقل للسعودية وحقق للكثيرين ركنا من اركان الإسلام الأساسية.
ويبقى موضوع تبادل الأراضي التي يخضع في مخططها “المثلث” ضمن صفقة القرن امرا لا يتم نقاشه، لأنه مرفوض جملة وتفصيلا للمعظم العربي هناك. وكأن الامر مستحيل الحصول… غير مدركين مرة أخرى ان إسرائيل بيهودية دولتها لن يكون فيها مكانا لغير اليهود عاجلا ام اجلا. وكحال القيادة الفلسطينية بالضفة، لا يتعظ قيادة الداخل بدروس الاحتلال المستمرة منذ الانتداب واوسلو وصفقة القرن.
هناك طبعا، من يدافعون بمبدئية عدم المشاركة بالانتخابات، بصفتهم الفلسطينية الطبيعية التي ترفض ان تشرعن الاحتلال والجلوس تحت قبة مجلسه التشريعي وحلفان قسم الولاء امام علم الاحتلال. هؤلاء باتوا قلة مهمشة، تسمع ما يقولونه ويرددونه من مبادئ وطنية، وتظن انهم زمرة تعيش في عالم زرادشت البعيد.
فالغالب هو الاندماج المبني على الخنوع والولاء أولا وأخيرا للحصول على بعض حقوق المواطنة السلبية او الدرجة الثالثة. اندماج صار امرا واقعا نراه في كل التفات. فإسرائيل بالنسبة لهؤلاء الأكثرية هي الواقع الوحيد المراد الاستمرار به، والهوية الفلسطينية المتمنية، واقع افتراضي يعاش به في المظاهرات السلمية وعلى صفحات التواصل وفي الجنازات واحياء أيام نكبوية موسمية.
في المحصلة، مشاركة العرب الفلسطينيين سواء ذهبت لأحزاب عربية، او ذابت ولم تستخدم، فان النتيجة واحده: فوز نتانياهو او غانتس. وفي كل الأحوال ومع أي حكومة، فلن يكون هناك حكومة يكون للعرب فيها قيمة.
ولمن يلهث لهاث المستغيث بشرعية وجوده من خلال الكنيست، مدعيا عدم وجود افاق أخرى او حلول بديلة.
هناك حلول بالمقاطعة، فوجودكم بالكنيست يعطي شرعية للاحتلال، ولا يعطيكم شرعية الوجود.
يعطيهم شرعية التبجح والعنصرية والمن عليكم، ولا يعطيكم حق كونكم أبناء الأرض الاصليون.
يعطيكم درجة دنيا من المواطنة ويأخذ منك اصالة وجودكم.
لو قاطعتم الانتخابات لأفسدتم شرعيتهم…
بالتواجد العربي تحت هذه القبة العنصرية الصهيونية الفاشية، أنتم فقط بوق لتأكيد ديمقراطيتهم.
فهل أسقط وجودكم بالكنيست قانون القومية الذي مرر امام عيونكم؟
ولكن هل لكلامي أي معنى بينما تمارس السلطة الفلسطينية التطبيع والتنسيق كطريقة وحيدة لوجودها؟
ربما يكون خبر استقالة رئيس لجنة التواصل السيد محمد المدني حقيقة نحو “وعي” قادم لانعدام الامل بهذا النوع من التواصل مع كيان هدفه تأصيل فرقتنا وقطع اوصالنا والاستمرار في احتلالنا.
” الويل، الويل! سيأتي الوقت الذي لن يلد المرء فيه نجما. الويل، الويل! سيأتي زمن الانسان الأكثر حقارة، ذلك الذي لم يعد قادرا على احتقار نفسه….
ها هي الأرض وقد غدت صغيرة، وفوقها ينط الانسان الأخير الذي يصغر كل شيء. نوعه غير قابل للانقراض مثل فيلة البراغيث؛ ان الانسان الأخير لهو الاطول عمرا…
لا بد من أتقدم بحذر، وأحمق هو الذي ما يزال يتعثر في حجر او في بشر!
قليلا من السم بين الحين والأخر: اذ ذلك يجعل الاحلام لذيذة.
وكثيرا من السم في النهاية من اجل موت لذيذ. …
ما من راع، وقطيع واحد! كل يريد الشيء نفسه، والكل سواء والذي يحس بطريقة مغايرة يقود نفسه الى مأوى المجانين….
الكل ذكي وعلى علم بما جرى: وهكذا فان استهزاءهم لا يعرف حدا. ما زالوا يتشاحنون، ولكنهم سرعان ما يتراضون- والا اضطربت معدتهم وتكدرت.” هكذا تكلم زرادشت- نيتشه.

* كاتبة من القدس

أضف تعليقاً المزيد